﴿فهزموهم بإذن الله﴾ أي : ملك بني إسرائيل في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ولم يجتمعوا قبل داود على ملك ﴿والحكمة﴾ أي : النبوة ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة قبله إلا له بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط آخر وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة وهو أول من تكلم بأما بعد وهو فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه السلام ﴿وعلمه مما يشآء﴾ أي : مما يشاء الله تعليمه إياه من صنعة الدروع بإلانة الحديد وكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل إلا من عمل يده ومنطق الطير وتسبيح الجبال وكلام الحكل والنمل والصوت الطيب والألحان
391
الطيبة فلم يعط الله أحدا مثل صوته وكان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وتطلبه الطير مصيخة له ويركد الماء الجاري وتسكن الريح ﴿ولولا دفع الله﴾ المصدر مضاف إلى فاعله أي : صرفه ﴿الناس﴾ مفعول الدفع ﴿بعضهم﴾ الذين يباشرون الشر والفساد وهو بدل من الناس بدل بعض من كل ﴿ببعض﴾ آخر منهم بردهم عما هم عليه بما قدر الله من القتل كما في القصة المحكية وغيره وهو متعلق بالمصدر ﴿لفسدت الارض﴾ وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض ويصلحها.
وقيل : لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض ومن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت جيرانه البلاء" ثم قرأ ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ ثم إن فيه تنبيها على فضيلة الملك وأن لولاه لما انتظم أمر العالم.
ولهذا قيل : الدين والملك توءمان ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لأن الدين أساس والملك حارس وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع والناس قد لا ينقادون للرسل تحت الرياسة مع ظهور الحجج فاحتيج إلى المجاهدة باللسان والسيف وذلك يكون من الأنبياء ومن يتابعهم ثم لهم آجال مضروبة عندها فوجب أن يكون لهم خلفاء بعدهم من كل عصر في إقامة الدين والجهاد فهذا دفع الله الناس بعضهم ببعض وتفصيله أن دفع الله الناس بعضهم ببعض على وجهين دفع ظاهر ودفع خفي.
فالظاهر ما كان بالسواس الأربعة الأنبياء والملوك والحكماء المعنيين بقوله :
جزء : 1 رقم الصفحة : 390
﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا﴾ (البقرة : 269) والوعاظ.
فسلطان الأنبياء عليهم السلام على الكافة خاصهم وعامهم ظاهرهم وباطنهم وسلطان الملوك على ظواهر الكافة دون البواطن كما قيل : نحن ملوك أبدانهم لا ملوك أديانهم وسلطان الحكماء على الخاصة دون العامة وسلطان الوعاظ بواطن العامة.
وأما الدفع الخفي فسلطان العقل يدفع عن كثير من القبائح وهو السبب في التزام سلطان الظاهر ﴿ولاكن الله ذو فضل﴾ عظيم لا يقادر قدره ﴿على العالمين﴾ كافة يعني لكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وتنتظم به مصالح العالم وتنصلح أحوال الأمم.
ففضله تعالى يعم العوالم كلها أما في عالم الدنيا فبهداية طريق الرشد والصلاح وأما في الآخرة فبالجنات والدرجات والنجاة والفلاح ومن جملة فضله تعالى على العالمين دفع البليات عن بعض عباده بلا واسطة كالأنبياء وكمل الأولياء ومن اقتفى أثرهم من أهل اليقين.
جزء : 1 رقم الصفحة : 390
﴿تلك﴾ إشارة إلى ما سلف من حديث الألوف وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام الجبابرة وقتل داود جالوت ﴿الله نتلوها﴾ المنزلة من عنده.
﴿نتلوها عليك﴾ أي : بواسطة جبريل ﴿بالحق﴾ حال من مفعول نتلوها أي : ملتبسة بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ لما يجدونها موافقة لما في كتبهم ﴿وإنك لمن المرسلين﴾ أي : من جملة الذين أرسلوا إلى الأمم لتبليغ رسالتنا وإجراء أوامرنا وأحكامنا عليهم وإلا لما أخبرت بتلك الآيات من غير تعرف ولا استماع والتأكيد لرد قول الكفار لست رسولا قال بعضهم :
ألا أي : أحمد مرسل شو دهر مشكل ازتوحل
كنم وصف ترا مجمل تويى سلطان هر مولى
392
شريعت ازتوروشن شد طريقت هم مبرهن شد
حقيقت خود معين شد زهى سلطان بي همتا