اسم لمصدر الفعل المذكور من قبيل قوله تعالى : ﴿أنابتكم من الارض نباتا﴾ (نوح : 17) أي : تمتيعا ملتبسا ﴿بالمعروف﴾ أي : بالوجه الذي يستحسنه الشرع والمروءة ﴿حقا﴾ صفة متاعا أي : متاعا واجبا ﴿على المحسنين﴾ أي : الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال.
قال ابن التمجيد : اعلم أن للمطلقة أربع حالات : الأولى أن تكون غير ممسوسة ولم يسم لها مهر ، والثانية : أن تكون ممسوسة وسمي لها ، والثالثة : أن تكون ممسوسة ولم يسم لها ، والرابعة : أن تكون غير
370
ممسوسة وسمي لها ورفع الجناح بمعنى نفي المهر إنما هو في الصورة الأولى لا في البواقي من الصور الثلاث فإن فيها وجوب المهر ولم يجب في الصورة الأولى مهر لا بعضا ولا كلا ، أما عدم وجوب البعض فلأن مهر المثل لا ينصف وأما عدم وجوب الكل فلكونها غير مدخول بها ولكن لها المتعة لقوله تعالى : ﴿ومتعوهن﴾ فإنه في حق من جرى ذكرهن وهي المطلقات الغير الممسوسة التي لم يفرض لهن فريضة إذ لو فرضت لكان لهن تمام المهر لا المتعة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 370
﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾ أي : وإن طلقتموهن من قبل المسيس حال كونكم مسمين لهن عند النكاح مهرا ﴿فنصف ما فرضتم﴾ أي : فلهن نصف ما سميتم لهن من المهر وإن مات أحدهما قبل الدخول فيجب عليه كله لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى.
﴿إلا أن يعفون﴾ استثناء من أعم الأحوال أي : فلهن نصف المفروض معينا في كل حال إلا في حال عفوهن أي : المطلقات فإنه يسقط ذلك حينئذ بعد وجوبه ﴿أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح﴾ أي : يترك الزوج المالك لعقده وحله ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه إليها كملا على ما هو المعتاد تكرما فإن ترك حقه عليها عفو بلا شبهة فالمراد بقوله الذي بيده عقدة النكاح الزوج لا الولي والمراد بعفوه أن يعطيها الصداق كاملا النصف الواجب عليه والنصف الساقط العائد إليه بالتنصيف وتسمية الزيادة على الحق عفوا لما كان الغالب عندهم أن يسوق الزوج إليها كل المهر عند التزوج فإذا طلقها قبل الدخول فقد استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.
﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ واللام في التقوى تدل على علة قرب العفو تقديره العفو أقرب من أجل التقوى إذ الأخذ كأنه عوض من غير معوض عنه أو ترك المروءة عند ذلك ترك للتقوى وفي الحديث "كفى بالمرء من الشح أن يقول آخذ حقي لا أترك منه شيئا" وفي حديث الأصمعي أتى أعرابي قوما فقال لهم : هذا في الحق أو فيما هو خير منه قالوا : وما خير من الحق؟ قال : التفضل والتغافل أفضل من أخذ الحق كله" كذا في "المقاصد الحسنة" للسخاوي ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ ليس المراد منه النهي عن النسيان لأن ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك والمعنى لا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم بإعطاء الرجل تمام الصداق وترك المرأة نصيبها حثهما جميعا على الإحسان والإفضال وقوله بينكم منصوب بلا تنسوا.
قال السعدي قدس سره :
جزء : 1 رقم الصفحة : 371
كسى نيك بيند بهر دوسراي
كه نيكى رساند بخلق خداي
﴿إن الله بما تعملون بصير﴾ فلا يكاد يضيع ما عملتم من التفضل والإحسان ، والبصر في حقه تعالى عبارة عن الوصف الذي به ينكشف كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح وأجلى مما يفهم من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات ، والحظ الديني للعبد من البصر أمران :
أحدهما : أن يعلم أنه خلق له البصر لينظر إلى الآيات وعجائب الملكوت والسموات فلا يكون نظره إلا عبرة قيل لعيسى عليه السلام هل أحد من الخلق مثلك فقال من كان نظره عبرة وصمته فكرة وكلامه ذكرا فهو مثلي.
والثاني : أن يعلم أنه بمرأى من الله ومسمع فلا يستهين بنظره إليه وإطلاعه عليه ومن أخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله فقد استهان بنظر الله والمراقبة إحدى ثمرات الإيمان
371
بهذه الصفة فمن قارف معصية وهو يعلم أن الله يراه فما أجسره وأخسره ومن ظن أنه لا يراه فما أكفره كذا في "شرح الأسماء الحسنى" للإمام الغزالي.