ثم الإشارة في الآيات أن مفارقة الإشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية ﴿لا جناح عليكم﴾ فيها فكيف يكون جناح إن فارقتموهم لمصلحة دينية بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله فكيف لزيارة الله فإن الواجب في زيارة بيت الله مفارقة الأهالي والأوطان وفي زيارة الله مفارقة الأرواح والأبدان دع نفسك وتعال قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وقوله تعالى : ﴿ومتعوهن﴾ إشارة إلى أن من له من الطلاب وأهل الإرادة مال فليمتع به أقرباءه وأحباءه حين فارقهم في طلب الحق سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق فإن الفطام عن المألوف شديد ولا ينفق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم بل يقسم بينهم على فرائض الله كالميراث فإنه قد مات عنهم بالحقيقة وفي قوله تعالى : ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى الله بقدر التبعد عما سواه وفي قوله تعالى : ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ ههنا في الدنيا فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا يكون إلا من فضله كقوله تعالى : ﴿الذى أحلنا دار المقامة من فضله﴾ (فاطر : 35) أن الله بما تعملون في وجدان الفضل وفقدانه ﴿بصير﴾ كذا في "التأويلات النجمية" وإنما يوجب للعبد الالتفات للخلائق فقدان النور الكاشف للخلائق وإلا فلو أشرق نور اليقين الهادي إلى العلم بأن الآخرة خير من الدنيا وأن ما عند الله خير وأبقى لرأيت الآخرة أقرب من أن يرحل إليها ولرأيت محاسن الدنيا وقد ظهرت كسفة الفناء عليها لأن الآتي قطعا كالموجود في الحال لا سيما ومباديه ظاهرة من تغير الأحوال وانتقال الأهلين والأموال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح" قيل : يا رسول الله وهل له من علامة يعرف بها قال : "التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله" انتهى اللهم اجعلنا ممن استعد للقائك وتهيأ لنوال وصالك.
جزء : 1 رقم الصفحة : 371
﴿حافظوا على الصلوات﴾ بالأداء لوقتها والمداومة عليها ، والمراد بالصلوات : المكتوبات الخمس في كل يوم وليلة ثبت عددها بغيرها من الآيات والأحاديث المتواترة وبإشارة في هذه الآية وهو ذكر الوسطى وهي ما اكتنفه عددان متساويان وأقل ذلك خمسة لا يقال إن الثلاث بهذه الصفة لأنا نقول الثلاث لا يكتنفها عددان فإن الذي قبلها واحد والذي بعدها واحد وهو ليس بعدد فإن العدد ما إذا اجتمع طرفاه صارا ضعفه وليس له طرفا فإنه ليس قبله شيء حافظوا على ﴿والصلواة الوسطى﴾ أي : المتوسطة بينها على أن تكون الوسطى صفة مشبهة أو الفضلى منها على أن تكون أفعل تفضيل تأنيث الأوسط وأوسط الشيء خيره وأعدله وهي صلاة العصر لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار ولقوله عليه الصلاة والسلام يوم الأحزاب "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا" وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها بتجاراتهم ومكاسبهم واجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" أي : ليكن من فوتها حذرا كما يحذر من ذهاب أهله وماله ثم في حديث يوم الأحزاب
372
حجة على من قال الصلاة الوسطى غير العصر وعلى من قال أنها مبهمة أبهمها الله تعالى تحريضا للخلق على محافظتها كساعة الإجابة يوم الجمعة.
فإن قيل : ما روت عائشة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال : "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" يدل على أن الوسطى غير العصر ، قلت : يحتمل أن يكون الوسطى لقبا والعصر اسما فذكرها باسمها كذا في "شرح المشارق" لابن الملك ﴿وقوموا﴾ أي : في الصلاة ﴿قانتين﴾ حال من فاعل قوموا أي : ذاكرين له في القيام لأن القنوت هو الذكر فيه أو خاشعين.
روي أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمد بصره أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا إلا ناسيا حتى ينصرف.
جزء : 1 رقم الصفحة : 372