تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد وبخ الله تعالى من مال إلى شهواته وهوى نفسه في هذه الآيات من غير أن يكون له رخصة شرعية فلا بد للعاقل أن يختار رضى الله تعالى على رضى نفسه ولا يكون له مطلب أعلى من مال أو امرأة أو غيرهما إلا الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام : "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" فتأمل كيف جعل جزاء كل مؤمل ما أمله وثواب كل قاصد ما قصده واعتبر كيف لم يكرر ذكر الدنيا إشعارا بعدم اعتبارها لخساستها ولأن وجودها لعب ولهو فكأنه كلا وجود وانظر إلى قوله عليه السلام : "فهجرته إلى ما هاجر إليه" وما تضمن من إبعاد ما سواه تعالى وتدبر هذا الأمر إذ ذكر الدنيا والمرأة مع أنها منها يشعر بأن المراد كل شيء في الدنيا من شهوة أو مال وأن المراد بالحديث الخروج عن الدنيا بل وعن كل شيء .

قال أبو سليمان الداراني قدس سره ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا طلب معاش أو تزوج امرأة أو كتب الحديث.

واعلم أنه ينبغي لطالب الحق أن يحصل من العلوم الشرعية ما يفرق به بين الحق والباطل ويشتغل بالعلوم الرسمية والقوانين المتداولة قدر ما يقدر على استخراج الحديث والتفسير من غير تعمق في الفلسفيات وغوامض العلوم فإنه زائد على قدر الكفاية منهي عنه على أصول أهل الشريعة والطريقة فهذا أول الأمر في هذا الباب.

وأما أمر النهاية وهو ما بعد التحصيل والتكميل فإن السالك بقدر اشتغاله بالعلوم الظاهرة زاد بعدا عن درك الحق لأن السلوك يبتنى على التخلي والانقطاع وترك الكلام والاستماع وتفريغ الباطن من العلائق ولو كانت علوما وطرح المشاغل

369

الخارجية والداخلية من البين خصوصا وعموما فقول بعضهم بنفي الاشتغال لأهل السلوك يبتنى على هذا المعنى لا على الترك من الأصل كما يزعمه جهلة الصوفية نعوذ بالله من هذا فإن العلم مطلقا هو النور وبه يهتدي السالك إلى مسالكه.

وأما أرباب النهاية من أهل السلوك فلا يمكن حصر أحوالهم فإنهم لا يحتجبون لا بالكثرة عن الوحدة ولا بعكسها إذ هم تجاوزوا عن مقام الأغيار بل شاهدوا أينما قلبوا الأحداق الأنوار بل حققوا بالحقيقة فلا أغيار عندهم لا حقيقة ولا اعتبارا ولذا حبب إلى النبي عليه السلام النساء وذلك لأن محبته عليه السلام ليست كما يعرفها الناس بل سرها مستور لا يطلع عليه إلا من فاز بالوراثة الكبرى ، يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة إنما بسطت الكلام في هذا المقام لئلا يظن أحد أن قوله فيما سبق أو كتب من خرافات الصوفية بل له محمل على ما أشرت إليه ومن لم يسلك هذا الطريق لم يعرف قدر خطوات أهل التحقيق والتدقيق.

جزء : 1 رقم الصفحة : 368

﴿لا جناح عليكم﴾ المراد من الجناح في هذه الآية وجوب المهر أي : لا تبعة من مهر ﴿إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن﴾ أي : غير ماسين لهن ومجامعين.

قال ابن الشيخ الظاهر أن كلمة ما مصدرية ظرفية والزمان محذوف تقديره مدة عدم المسيس ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ كلمة أو بمعنى إلا أن كقولك لألزمنك أو تعطيني حقي أي : إلا أن تفرضوا لهن عند العقد مهرا والمعنى أنه لا تبعة على المطلق بمطالبة المهر أصلا إذا كان الطلاق قبل المسيس على كل حال إلا في تسمية المهر فإن عليه حينئذ نصف المسمى وفي حال عدم تسميته عليه المتعة لا نصف مثل المهر وأما إذا كان بعد المساس فعليه في صورة التسمية تمام المسمى وفي صورة عدمها تمام مهر المثل.

﴿ومتعوهن﴾ عطف على مقدر أي : فطلقوهن ومتعوهن أي : أعطوهن ما يتبلغن وينتفعن به والحكمة في إيجاب المتعة جبر لما أوحشها الزوج بالطلاق وهو درع وهو ما يستر البدن وملحفة وهو ما يستر المرأة عند خروجها من البيت وخمار وهو ما يستر الرأس على حسب الحال كما يفصح عنه قوله تعالى : ﴿على الموسع﴾ يقال أوسع الرجل إذا اتسع حاله فصار ذا سعة وغنى أي : الذي له سعة ﴿قدره﴾ إمكانه وطاقته ﴿وعلى المقتر﴾ يقال : أقتر الرجل إذا افتقر وصار ذا قترة.

والقترة الغبار وهو قليل من التراب أي : على المقل الضيق الحال ﴿قدره﴾ فالمتعة معتبرة بحاله لا بحالها لا تنقص عن خمسة دراهم ولا تزاد على نصف مهر المثل لأن المسمى أقوى من مهر المثل والمتعة لا تزاد على نصف المسمى فلأن لا تزيد على نصف مهر المثل أولى.

والقدر والقدر لغتان وذهب جماعة إلى أن الساكن مصدر والمتحرك اسم كالعد والعدد والمد والمدد والقدر بالتسكين الوسع يقال هو ينفق على قدره أي : على وسعه وبالتحريك المقدار ﴿متاعا﴾

جزء : 1 رقم الصفحة : 370

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٠٣