﴿ولا جناح عليكم﴾ علم الله تعالى أن المرأة إذا مات زوجها قد يكون لها مال أو جمال أو معنى يرغب الناس فيها فأطلق للراغب أن يعرض بالخطبة في العدة فقال تعالى ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به﴾ التعريض إفهام المعنى بالشيء المحتمل له ولغيره ﴿من خطبة النسآء﴾ الخطبة بالكسر : التماس النكاح وبالضم الكلام المشتمل على الوعظ والزجر من الخطاب الذي هو الكلام يقال خطب المرأة أي : خاطبها في أمر النكاح والمراد بالنساء المعتدات للوفاة وأما النساء اللاتي لا تكون منكوحة الغير ولا معتدته من طلاق رجعي فإن خطبتهن جائزة تصريحا وتعريضا إلا أن يخطبها رجل فيجاب بالرضى صريحا فههنا لا يجوز لغيره أن يخطبها لقوله عليه السلام : "لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه" وإن أجيب بالرد صريحا فههنا يحل لغيره أن يخطبها وإن لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد ففيه خلاف والتي هي معتدة عن الطلاق الثلاث والبائن باللعان والرضاع ففي جواز التعريض بخطبتها خلاف وأما البائن التي يحل لزوجها نكاحها في عدتها كالمختلعة والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار نفقة فههنا يجوز لزوجها التعريض والتصريح وأما غير الزوج فلا يحل له التصريح والتعريض لأنها معتدة يحل للزوج أن يستبيحها في عدتها فلا يحل له التعريض بخطبتها كالرجعية ثم التعريض بالخطبة أن يقول لها في العدة : إنك لجميلة صالحة ومن غرضي أن أتزوج أو أشتهي امرأة مثلك أو أنا محتاج إلى امرأة صفتها كذا ، أو يقول : إني حسن الخلق كثير الإنفاق جميل العشرة محسن إلى النساء فيصف نفسه ليرغب فيه ، أو يقول : رب راغب فيك وحريص عليك ونحو ذلك مما يوهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح بأن يقول : إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك أو غير ذلك فإنه كما لا يجوز أن ينكحها في عدتها لا يجوز له أن يخطبها صريحا فيها
جزء : 1 رقم الصفحة : 368
﴿أو أكننتم فى أنفسكم﴾ مفعول أكننتم محذوف وهو الضمير الراجع إلى ما الموصولة في قوله : ﴿فيما عرضتم﴾ أي : أو أكننتموه في أنفسكم أي : أضمرتم في قلوبكم من نكاحهن فلم تذكروه صريحا أو تعريضا.
الآية الأولى لإباحة التعريض في الحال وتحريم التصريح في الحال وهذه الآية إباحة لأن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة ثم إنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك فقال : ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾ لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهن فالمقصود بيان وجه إباحة الخطبة بطريق التعريض ﴿ولاكن لا تواعدوهن سرا﴾ نصب على أنه مفعول ثان لتواعدوهن وهو استدراك عن محذوف دل عليه ستذكرونهن أي : فاذكروهن وأظهروا لهن رغبتكم ولكن لا تواعدوهن نكاحا بل اكتفوا بما رخص لكم من التعريض والتعبير عن النكاح بالسر لأن مسببه الذي هو الوطء مما يسر به.
﴿إلا أن تقولوا قولا معروفا﴾ استثناء مفرغ مما يدل عليه النهي أي : لا تواعدوهن مواعدة ما إلا مواعدة معروفة غير منكرة
368
شرعا وهي ما تكون بطريق التعريض والتلويح.
﴿ولا تعزموا﴾ العزم عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال يتعدى بنفسه وبعلى ، قال الراغب : ودواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب السانح ثم الخاطر ثم التفكر فيه ثم الإرادة ثم الهمة ثم العزم فالهمة إجماع من النفس على الأمر والعزم هو العقد على إمضائه.
﴿عقدة النكاح﴾ أي : لا تعزموا عقد عقدة النكاح لأن العزم عبارة عن عقد القلب على فعل فلا يتعلق إلا بالفعل والإضافة في قوله : ﴿عقدة النكاح﴾ بيانية فلا تكون العقدة بمعنى ربط المكلف إجراء التصرف بل المراد به الحاصل بالمصدر وهو الارتباط الشرعي الحاصل بعقد العاقدين والمقصود النهي عن تزوج المعتدة في زمان عدتها إلا أنه نهى عن العزم على عقد النكاح للمبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة فإن العزم على الشيء متقدم عليه والنهي عن مقدمات الشيء يستلزم النهي عن ذلك الشيء بطريق الأولى.
﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ الكتاب بمعنى المكتوب وهو المفروض والمعنى حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها.
﴿واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم﴾ من العزم على ما لا يجوز ﴿فاحذروه﴾ بالاجتناب عن العزم ابتداء وإقلاعا عنه بعد تحققه ﴿واعلموا أن الله غفور﴾ لمن عزم ولم يفعل خشية من الله تعالى.
﴿حليم﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة فلا تستدلوا بتأخيرها على أن ما نهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبع المؤاخذة فاجتنبوا أسباب العقوبة واعملوا بما أمركم به ربكم واغتنموا زمان الحياة حتى لا تتأسفوا كما قال المفرطون المتحسرون :
جزء : 1 رقم الصفحة : 368
ون توانستم ندانستم ه سود
ون بدانستم توانستم نبود