تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما رغبهم في رعاية التكاليف والعمل بها بالتهديد على التهاون بها أكد ذلك الأمر بذكر نعم الله عليهم بأن يشكروها ويقوموا بحقوقها فقال : ﴿وإذا طلقتم النسآء﴾ كائنة ﴿عليكم﴾ حيث هداكم إلى ما فيه سعادتكم الدينية والدنيوية أي : قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها وقيل : واذكروا إنعام الله عليكم بأن خلقكم رجالا وجعل لكم أزواجا تسكنون إليها وجعل النكاح والطلاق والرجعة بأيديكم ولم يضيق عليكم كما ضيق على الأولين حين أحل لهم امرأة واحدة ولم يجوز لهم بعد موت المرأة نكاح أخرى ﴿ومآ أنزل عليكم﴾ عطف على نعمة الله أي : وما أنزله الله عليكم ﴿من الكتاب والحكمة﴾ أي : القرآن والسنة أفردهما بالذكر إظهارا لشرفهما ﴿يعظكم به﴾ أي : بما أنزل عليكم حال من فاعل أنزل وهو ضمير أنزل أي : اذكروا نعمة الله وما أنزله عليكم واعظا به لكم ومخوفا ﴿واتقوا الله﴾ في شأن المحافظة عليه والقيام بحقوقه الواجبة ﴿واعلموا أن الله بكل شىء عليم﴾ فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وما تذرون فيؤاخذكم بأفانين العذاب.

والإشارة في الآية أن الأذية والمضارة ليست من الإسلام ولا من آثار الإيمان ولا من شعار المسلمين عموما كما قال عليه السلام : "المؤمن من أمنه الناس" وقال : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا ، فأما الزوجان ففيهما خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن وترك أذيتهن والمغايظة معهن على وجه اللجاج فإما

360

تخلية سبيل من غير جفاء أو قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء بلا اعتداء ﴿ومن يفعل ذالك﴾ أي : من الأذية والمضارة والاعتداء بالجفاء ﴿فقد ظلم نفسه﴾ لأن الله تعالى يجازي الظالم والمظلوم يوم القيامة بأن يكافىء المظلوم من حسنات الظالم ويجازي الظالم من سيئات المظلوم والظالم إذا أساء إلى غيره صارت نفسه مسيئة وإذا أحسن صارت تفسه محسنة فترجع إساءة الظالم إلى نفسه لا إلى نفس غيره حقيقة فإنه ظلم نفسه لا غيره ولهذا قال تعالى : ﴿إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها﴾ (الإسراء : 7) قال السعدي قدس سره :

جزء : 1 رقم الصفحة : 359

مكن تا تواني دل خلق ريش

وكر ميكني ميكني بيخ خويش

﴿ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن﴾ أي : بتلاوة ظاهرها من غير تدبر معانيها وتفهم إشاراتها وتحقق أسرارها وتتبع حقائقها والتنور بأنوارها والاتعاظ بمواعظها وحكمها.

يقال إن الوعظ كالشاهين فإنما يقع على الحي لا على الميت فمن مات قلبه وتعوذ بالله من ذلك لم يتأثر بالمواعظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : "أنتم اليوم على بينة من ربكم" يعني على بيان قد بين لكم طريقكم "ما لم تظهر فيكم السكرتان سكرة العيش وسكرة الجهل".

روي أنه ضلت راحلة الحسن البصري في طريق الحج فلقيه صبي فسأله فعرفها فلما وجد الراحلة سأله الصبي يا شيخ ما تأكل وما تلبس؟ قال : آكل خبز الشعير وألبس الصوف لأكسر شهوتي بهما قال الصبي : كل ما شئت والبس كذلك بعد أن يكونا حلالين قال : وأين تبيت؟ قال : في الخص وهو بيت من القصب قال : لا تظلم وبت حيث شئت فقال الحسن : لولا صباك لكسبت منك ما تكلمت به فتبسم الصبي وقال : أراك غافلا أخبرتك بالدنيا فقبلت وأخبرك بالدين فتأنف من كلامي ارجع إلى منزلك فلا حج لك.

قال السعدي قدس سره :

مرد بايد كه كيرد اندر كوش

ور نوشته است ند بر ديوار

جزء : 1 رقم الصفحة : 359

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٩٦