﴿وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن﴾ أي : استوفين عدتهن فالبلوغ هنا عبارة عن حقيقة الانتهاء لأن المذكور بعده النكاح ولا يكون ذلك إلا بعد انقضاء العدة ﴿فلا تعضلوهن﴾ العضل المنع والحبس والتضييق.
والمخاطب بالخطاب الأول هو الأزواج.
وبالثاني هو الأولياء لما روى أن الآية نزلت في معقل بن يسار حين منع أخته جميلة أن ترجع إلى زوجها الأول البداح عبيد الله بن عاصم فإنه جاء يخطبها بعد انقضاء العدة وأرادت المرأة الرجوع فلما سمع معقل الآية قال : أرغم أنفي وأزوج أختي وأطيع ربي فالمعنى إذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء وهذا وإن كان مما لا يخفى ركاكته إلا أن جملة الخلائق من حيث حضورهم في علمه تعالى لما كانت بمثابة جماعة واحدة صح توجيه أحد الخطابين الواقعين في كلام واحد إلى بعض وتوجيه الخطاب الآخر إلى البعض الآخر ولعل التعريض لبلوغ الأجل مع جواز تزوج الأول قبله أيضا لدفع العضل المذكور حينئذ وليس فيه دلالة على أن ليس للمرأة أن تزوج نفسها وإلا لاحتيج إلى نهي الأولياء عن العضل لما أن النهي لدفع الضرر عنهن فإنهن وإن قدرن على تزويج أنفسهن لكنهن يحترزن عن ذلك مخافة اللوم والقطيعة ، وقيل : الخطابان للأزواج حيث كانوا يعضلون مطلقاتهم ولا يدعونهن يتزوجن من شئن من الأزواج
361
جزء : 1 رقم الصفحة : 361
ظلما وقسرا واتباعا لحمية الجاهلية ﴿أن ينكحن﴾ أي : لا تمنعوهن من أن يتزوجن وفيه دلالة على صحة النكاح بعبارتهن ﴿أزواجهن﴾ إن أريد بهم المطلقون فالزوجية إما باعتبار ما كان وإما باعتبار ما يكون وإلا فبالاعتبار الأخير على معنى أن ينكحن أنفسهن ممن شئن أن يكونوا أزواجا لهن ﴿إذا تراضوا﴾ أي : الخطاب والنساء ظرف لقوله أن ينكحن أي : أن ينكحن وقت التراضي ﴿بينهم﴾ ظرف للتراضي مفيد لرسوخه واستحكامه ﴿بالمعروف﴾ حال من فاعل تراضوا أي : إذا تراضوا ملتبسين بالمعروف من العقد الصحيح والمهر الجائز والتزام حسن المعاشرة وشهود عدول ، والمعروف ما يعرفه الشرع وتستحسنه المروءة وفيه إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفؤ وبما دون مهر المثل ليس من باب العضل.
﴿ذالك﴾ إشارة إلى ما مضى ذكره أي : الأمر الذي تلي عليكم من ترك العضل أيها الأولياء أو الأزواج وتوحيد كاف الخطاب مع كون المخاطب جمعا إما على تأويل القبيل أو كل واحد أو لكون الكاف لمجرد توجيه الكلام إلى الحاضر مع قطع النظر عن كونه واحدا أو جمعا ﴿يوعظ به﴾ أي : ينهى ويؤمر به ﴿من كان يؤمن بالله واليوم الاخر﴾ لأنه المتعظ به والمنتفع ﴿ذالكم﴾ أي : الاتعاظ به والعمل بمقتضاه ﴿أزكى لكم﴾ أنمى لكم وأنفع من زكا الزرع إذا نما فيكون إشارة إلى استحقاق الثواب ﴿وأطهر﴾ من أدناس الآثام وأوضار الذنوب والمفضل عليه محذوف للعلم أي : من العضل ﴿والله يعلم﴾ ما فيه من النفع والصلاح والتفصيل ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ لقصور علمكم فإن المكلف وإن كان يعلم وجه الصلاح في هذه التكاليف على سبيل الإجمال إلا أن التفصيل غير معلوم له وأما الله تعالى فإنه العالم بتفاصيل الحكم في كل ما أمر به ونهى عنه وبينه لعباده :
برو علم يك ذره وشيده نيست
كه نهان ويدا بنزدش يكيست
جزء : 1 رقم الصفحة : 361
فدعوا رأيكم وامتثلوا أمره تعالى ونهيه في كل ما تأتون وما تذرون وذلك كما أن الوالد يحمي ولده عن بعض الأطعمة صونا له عن انحراف مزاجه فذلك محض إصلاح له لما أنه يعلم ما لا يعلمه فقد وعظنا الله تعالى في الكتاب بكل ما هو خير وصواب ونهانا عن كل ما يؤدي إلى هلاك وتباب ولكن سماع النصيحة لا يتيسر إلا لأولي الألباب كما قال الإمام الغزالي قدس سره العالي : النصيحة سهل والمشكل قبولها لأنها من مذاق متبع الهوى مر ؛ إذ المناهي محبوبة في قلوبهم فالواعظ إنما ينفع المؤمن الحقيقي وهو ما وصفه الله في كتابه فقال : ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ (الأنفال : 2) وعن ابن مسعود رضي الله عنه : السعيد من وعظ بغيره ومثالكم في استماعكم ما قيل أن رجلا اصطاد طيرا فقال له : لا تذبحني فأي فائدة لك بل خلني وأعلمك ثلاث حكم تنفعك كلها : الأولى : لا تترك الفائدة المعلومة بالمظنونة ، والثانية : لا تصدق الشيء المستحيل ، والثالثة : لا تمدن يدك إلى ما لم تبلغه فلما خلاه وطار قال : إن في حوصلتي جوهرة كبيرة لو استخرجتها لفزت فأخذ يدنو منه والطير يتباعد عنه فقال : يا أحمق ما أسرع ما نسيت الحكم تركت الفائدة المعلومة بالمظنونة حيث خليتني والآن تمد يدك إلى ما لم تنل وصدقتني في المستحيل فإن حوصلتي لا تسع إلا حبة أو حبتين فكيف يحتمل فيه الجوهرة الكبيرة فكذلك أنتم
362
في استماعكم.