تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن الحكمة في اشتراط إصابة الزوج الثاني في التحليل وعدم كفاية مجرد العقد فيه الردع عن المسارعة إلى الطلاق فإن الغالب أن يستنكر الزوج أن يستفرش زوجته رجل آخر وهذا الردع إنما يحصل بتوقف الحل على الدخول وأما مجرد العقد فليس منه زيادة نفرة وتهييج غيرة فلا يصلح توقف الحل عليه رادعا وزاجرا عن التسرع إلى الطلاق والنكاح المعقود بشرط التحليل وهو أن يشترط النكاح أن يقتصر على قدر التحليل ولا يستديم زوجيتها فاسد عند الأكثر وجائز عند أبي حنيفة مع الكراهة وعنه أنهما إن أضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة.

وفي شرح "الزيلعي" : لو خافت المرأة المطلقة ثلاثا أن لا يطلقها المحلل فقالت زوجتك نفسي على أن أمري بيدي أطلق نفسي كلما أردت فقبل جاز النكاح وصار الأمر بيدها.

وفيه أيضا ومن لطائف الحيل فيه أن تزوج المطلقة من عبد صغير تتحرك آلته ثم تملكه بسبب من الأسباب بعدما وطئها فيفسخ النكاح بينهما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : "لعن الله المحلل والمحلل له" المحلل بكسر اللام والمراد به الزوج الثاني والمحلل له بفتح اللام والمراد به الزوج الأول ، فإن قلت ما معنى لعنهما؟ قلت : معنى اللعن على المحلل لأنه نكح على قصد الفراق والنكاح شرع للدوام وصار كالتيس المستعار والتيس هو الذكر من الغنم وقد يستعيره الناس لاستيلاد الغنم واللعن على المحلل له لأنه صار سببا لمثل هذا النكاح والمتسبب شريك المباشر في الإثم والثواب ، أو المراد من اللعن إظهار خساستهما أما خساسة المحلل فلمباشرته مثل هذا النكاح بدليل قوله عليه السلام : "ألا أنبئكم بالتيس المستعار" وأما خساسة المحلل له فلمباشرة ما ينفر عنه الطبع السليم من عودها إليه بعد مضاجعة غيره إياها واستمتاعه بها لا حقيقة اللعن إذ هو لا يليق بمنصب الرسالة في حق الأمة لأنه عليه الصلاة والسلام لم يبعث لعانا.

والإشارة في الآية أن أهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الاخوان مرة ومرتين ثم في الثالثة إن سلكوا طريق الهجران وخرجوا عن مصاحبة الإخوان فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا مثله فإن ندم بعد ذلك على أفعاله وسئم من ذلك الصديق وأمثاله وترك صحبته وخرج عن خصاله ورجع إلى صحبة إخوانه وأشكاله ﴿فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما﴾ شرائط العبودية والصحبة في الله وتلك طرق قربات الله والسائرين إلى الله بينهما بالتصريح والتعريض والعبارات والإشارة ﴿لقوم يعلمون﴾ المعاريض ويفهمون الإشارات كذا في "التأويلات النجمية".

قال أحمد بن حضرويه الطريق واضح والدليل لائح والداعي قد أسمع فما التحير بعد هذا إلا من العمى ، قال الحافظ :

وصف وخسارة خورشيد زخفاش مرس

كه درين آينه صاحب نظران حيرانند

جزء : 1 رقم الصفحة : 358

﴿وإذا طلقتم النسآء﴾ أي : نساءكم ﴿فبلغن أجلهن﴾ أي : آخر عدتهن وشارفن منتهاها

359

ولم يرد حقيقة انقضاء العدة لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها بالمعروف ، نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ أي : راجعوهن من غير طلب إضرار لهن بالرجعة.

والمعروف ما ألفته العقول واستحسنته النفوس شرعا وعرفا وعادة فالمراد به هنا حسن المعاشرة ﴿أو سرحوهن بمعروف﴾ أو خلوهن حتى تنقضي عدتهن من غير تطويل ﴿ولا تمسكوهن ضرارا﴾ أي : ولا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن بتطويل العدة والحبس على أن يكون انتصاب ضرارا على العلة أو مضارين على الحال ، فإن قلت : لا فرق بين قوله : ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ وبين قوله : ﴿ولا تمسكوهن ضرارا﴾ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فما الفائدة في التكرار.

قلت : إن الأمر لا يفيد التكرار ولا يدل على كون امتثال المأمور به مطلوبا في كل الأوقات فدل لا تمسكوهن على المبالغة في التوصية بالإمساك بالمعروف لدلالته على أن الإمساك المذكور مطلوب منه في جميع الأوقات ﴿لتعتدوا﴾ متعلق بضرارا إذ المراد تقييده أي : لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء ﴿ومن يفعل ذالك﴾ أي : ما ذكر من الإمساك المؤدي إلى الظلم ﴿فقد ظلم نفسه﴾ في ضمن ظلمه لهن بتعريضها للعقاب ﴿ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا﴾ المنطوية على الأحكام المذكورة أو جميع آياته وهي داخلة فيها دخولا أوليا ﴿هزوا﴾ أي : مهزوا بها بالإعراض عنها والتعاون في العمل بما فيها والنهي كناية عن الأمر بضده لأن المخاطبين مؤمنون ليس من شأنهم الهزؤ بآيات الله أي : جدوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها ، قال الحكيم السناني قدس سره :

جزء : 1 رقم الصفحة : 359

دانشت هست وكاربستن كو

خنجرت هست وصف شكستن كو

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٩٥