روي أن جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس فأتت رسول الله عليه السلام وقالت : لا أنا ولا ثابت ولا يجمع رأسي ورأسه شيء والله ما أعيبه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بعضا إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها فنزلت فاختلعت منه بحديقة أصدقها أي : سماها ثابت صداقا لها يعني لما قالت جميلة ما قالت قال ثابت : يا رسول الله مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها فقال عليه السلام لها : "ما تقولين" قالت : نعم وأزيده فقال عليه السلام : "لا حديقته فقط" ثم قال لثابت : "خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها" ففعل وكان ذلك أول خلع في الإسلام.
والخطاب في لكم مع الأحكام ليطابق قوله تعالى : ﴿فإن خفتم﴾ فإنه خطاب مع الحكام والحكام وإن لم يكونوا آخذين ومؤتين حقيقة إلا أنهم هم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الذين يأخذون
356
ويؤتون ﴿أن تأخذوا ممآ ءاتيتموهن﴾ أي : تأخذوا منهن بمقابلة الطلاق ما أعطيتموهن من المهور ﴿شيئا﴾ أي : نزرا يسيرا فضلا عن استرداد الكثير ﴿إلا أن يخافآ﴾ أي : الزوجان ﴿ألا يقيما حدود الله﴾ أي : أن لا يراعيا مواجب الزوجية ، قوله : ﴿إلا أن يخافآ﴾ استثناء مفرغ وأن يخافا محله النصب على أنه مفعول من أجله مستثنى من العام المحذوف تقديره ولا يحل لكم أن تأخذوا بسبب من الأسباب شيئا إلا بسبب خوف عدم إقامة حدود الله ﴿فإن خفتم﴾ أيها الحكام ﴿ألا يقيما حدود الله﴾ أي : الحقوق التي أثبتها النكاح وذلك بمشاهدة بعض الأمارات والمخايل ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ أي : فيما أعطته المرأة من بدل الخلع لا على الزوج في أخذ ما فدت به نفسها ولا عليها في إعطائه إياه هذا إذا كان النشوز من قبل المرأة لأنها ممنوعة عن إتلاف المال بغير حق أما إذا كان النشوز من قبل الزوج فلا يحل له أن يأخذ شيئا مما آتاها لقوله تعالى ﴿فلا تأخذوا منه شياا﴾ (
جزء : 1 رقم الصفحة : 356
النساء : 20) ولا يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء فإن ذلك منهي عنه قال تعالى في سورة النساء : ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ءاتيتموهن﴾ (النساء : 19) وعموم قوله تعالى : ﴿فيما افتدت به﴾ يشعر بجواز المخالعة على قدر المقبوض من الزوج وعلى الأزيد والأقل وعليه جمهور الفقهاء ثم أن ظاهر الآية أنه لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف وجمهور المجتهدين على جوازه في حالة الخوف وفي غير حالة الخوف فلا بد حينئذ أن يجعل قوله : ﴿إلا أن يخافآ﴾ استثناء منقطعا كما في قوله تعالى : ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطاا﴾ (النساء : 92) أي : لكن إن قتل خطأ فدية مسلمة إلى أهله.
قال البغوي ويجوز الخلع في غير حال النشوز غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق" ﴿تلك﴾ أي : الأحكام المذكورة ﴿حدود الله﴾ أوامره ونواهيه ﴿فلا تعتدوها﴾ أي : لا تتجاوزوا عنها بالمخالفة والرفض ﴿ومن يتعد حدود الله فأوالائك﴾ المتعدون ﴿هم الظالمون﴾ أي : لأنفسهم بتعريضها لسخط الله وعقابه.
اعلم أن المرأة إذا برئت من مواقع الخلل واتصفت بالعفة فعلى الزوج أن يعاشرها بالمعروف ويصبر على سائر أوضاعها وسوء خلقها ويتأدب بآداب النبي صلى الله عليه وسلم وكان عليه السلام يحسن المعاشرة مع أزواجه المطهرة فحسن معاشرتهن والصبر عليهن مما يحسن الأخلاق فلا جرم يعد الصابر من المجاهدين في سبيل الله.
روي أن بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته إلى أن ماتت وعرض عليه التزويج فامتنع وقال الوحدة أروح لقلبي قال : فرأيت في المنام بعد جمعة من وفاتها كأن أبواب السماء قد فتحت وكأن رجالا ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا فكلما نظر إلى واحد منهم يقول لمن وراءه : هذا هو المشؤوم فيقول الآخر : نعم ويقول الثالث كذلك فخفت أن أسألهم إلى أن مر بي آخرهم فقلت له : من هذا المشؤوم؟ فقال : أنت قلت : ولم؟ قال : كنا نرفع عملك مع أعمال المجاهدين في سبيل الله تعالى فمنذ جمعة أمرنا أن نضع عملك مع المخالفين فلا ندري ما أحدثت فقال لإخوانه : زوجوني فلم يكن يفارقه زوجتان أو ثلاث.
قال الكاشفي :
جزء : 1 رقم الصفحة : 356
مردي كمان مبركه بزورست وبردلي
بانفس اكر جهاد كنى مرد كاملي
ولا يتيسر هذا إلا لواحد بعد واحد كما قيل وللحروب رجال وإن أنت تريد الطلاق فطلق نفسك ، كما قيل :
357
هركه زن نفس شوم را داد طلاق
جفتش نبود بزير اين نيلي طاق
از مزبله نفس قدم بيرون نه
تاروحت كند نسيم وصل استنشاق