تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن مقاصد الزوجية لا تتم إلا إذا كان كل واحد من الزوجين مراعيا حق الآخر مصلحا لأحواله مثل طلب النسل وتربية الولد ومعاشرة كل واحد منهما الآخر بالمعروف وحفظ المنزل وتدبير ما فيه وسياسة ما تحت أيديهما إلى غير ذلك مما يستحسن شرعا ويليق عادة وفي الحديث "جهاد المرأة حسن التبعل" يقال امرأة حسنة التبعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها والقيام بما عليها في بيت الزوج وفي الحديث "أيما امرأة ماتت وزوجها راضض عنها دخلت الجنة" كما في "رياض الصالحين".

ومن الحقوق التزين قال ابن عباس رضي الله عنهما أني لأتزين لامرأتي كما تتزين لقوله تعالى : ﴿ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف﴾ (البقرة : 228) ويقال : أن المرأة مثل الحمامة إذا نبت لها جناح طارت كذا الرجل إذا زين امرأته بالثياب فلا تجلس بالبيت.

وقال رجل ما دخل داري شر قط فقال حكيم ومن أين دخلت امرأتك ، قال السعدي قدس سره :

جزء : 1 رقم الصفحة : 351

دلارام باشد زن نيك خواه

ولي اززن بد خدايا ناه

وقال بعضهم :

عصمت زن را بمقام جمال

جلوه حرامست مكريا حلال

حكي أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح وكان له امرأة يحبها حبا شديدا فبعث الله إليه أن يسأله ثلاث حوائج فقال لامرأته حوائجي كثيرة لا أدري ما أعمل فقالت امرأته : اسأل حاجة لي وحاجتين لك قال : ما تريدين؟ قالت : اسأل ربك أن يصيرني في صورة ما كانت صورة أحسن منها وأجمل فسأل ربه فأضاء البيت من حسنها وجمالها فقامت لتخرج من بيتها فقال زوجها : إلى أين تذهبين؟ قالت : إلى بعض السلاطين أنا لا أضيع حسني وجمالي بمثلك ومنع الزوج خروجها ثم بلغ الخبر إلى بعض السلاطين فجاء أعوانه وأخذوها من زوجها جبرا فقال الرجل : اللهم بقي لي عندك حاجتان اجعلها قردة فمسخها الله تعالى قردة فردها الملك من عنده فجاءت إلى زوجها ثم قال الرجل : اللهم كما كانت أولا فذهبت الحوائج كلها عبثا لا هي أفلحت ولا هو.

والإشارة أن المطلقات لما أمرن بالعدة وفاء لحق الصحبة وإن كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة أمرن أن لا يقين غير مقامه بالسرعة ويصبرون حتى يمضي مقدار من المدة إلى آخر العدة وكلها دلالات على وفاء الربوبية في رعاية العبودية فإن الله تعالى من كمال كرمه يرخي زمام الفضل

355

بالاصطناع وإن كان من العبد الفصل والانقطاع ويمهل العبد إلى انقضاء عدة الجفاء ولا يعرض عنه سريعا لإقامة شرط الوفاء لعل العبد في مدة العدة ينتبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته في ضمير قلبه من نتائج محبة ربه وإن ابتلاه بمحنة الفرقة فيقرع بأصبع الندامة باب التوبة ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة فيقال من كمال الفضل والنوال يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طلب منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا.

جزء : 1 رقم الصفحة : 351

﴿الطلاق﴾ أي : التطليق الرجعي المتقدم ذكره الذي قال تعالى فيه ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ (البقرة : 228) ﴿مرتان﴾ أي : دفعتان وذلك لا يكون إلا على سبيل التفريق فإن من أعطى إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال أعطاه مرتين حتى يعطيه إياهما دفعتين فالجمع بين الطلقتين والثلاث في الإيقاع حرام عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أنه سني الوقوع لا سني الإيقاع فالطلاق الذي يثبت فيه للزوج حق المراجعة هو أن يوجد طلقتان فقط وأما بعدالطلقتين بأن طلق ثلاثا فلا يثبت للزوج حق الرجعة البتة ولا تحل له المرأة إلا بعد زوج آخر ثم قوله : ﴿الطلاق مرتان﴾ وإن كان ظاهره الخبر فإن معناه الأمر لأن حمله على ظاهره يؤدي إلى وقوع الخلف في خبر الله تعالى لأنه قد يوجد إيقاع الطلاق على وجه الجمع ولا يجوز الحلف في خبر الله فكان المراد منه الأمر كأنه قيل طلقوهن مرتين أي : دفعتين ﴿فإمساك﴾ أي : فالحكم بعد هاتين الطلقتين إمساك لهن ﴿بمعروف﴾ وهو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح وحسن المعاشرة ﴿أو تسريح﴾ أي : تخلية ﴿بإحسان﴾ بأن يترك المراجعة حين تبين بانقضاء العدة.

ومعنى الإحسان في التسريح أنه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها وجملة الحكم في هذا الباب أن الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها يجوز له أن يراجعها من غير رضاها ما دامت في العدة وإن لم يراجعها حتى تنقضي عدتها أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها وإذن وليها فإن طلقها ثلاثا فلا تحل له ما لم تنكح زوجا غيره وأما العبد إذا كانت تحته أمة فطلقها طلقتين فإنها لا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر والاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق عند أبي حنيفة رحمة الله فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الأمة إلا طلقتين ﴿ولا يحل لكم﴾ .

جزء : 1 رقم الصفحة : 356

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٩٢