والآية عامة في كل من كان يحلف بالله أن لا يحسن لأحد ولا يتقي من العصيان فيعمل ما اشتهت نفسه وأن لا يصلح بين الناس إذا وقع فيهم العداوة والبغضاء فكأنه قال تعالى كل ذلك خير وطاعة لا يمنعها حلفكم فإن حلفتم عليها فلتكفروا عن حلفكم ولتفعلوا تلك الخيرات من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ولا تقولوا : نحن حلفنا بالله فنخاف من اليمين به أن نفعله فنحنث في يميننا فالحنث أولى من البر فيما يتعلق بالبر والتقوى والإصلاح قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" والكفارة قبل اليمين غير جائزة وبعد الحنث واجبة اتفاقا.
ولا تجوز قبل الحنث بعين اليمين عند إسحاق رحمه الله.
وفي "الشرعة" ولا يروج سلعته أي : متاعه بالحلف لا صادقا ولا كاذبا لأنه إن كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر التي تزر الديار بلاقع وإن كان صادقا قد جعل الله عرضة لإيمانه وأساء فيه إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر الله من غير ضرورة ومن حلف بالله في كل قليل وكثير انطلق لسانه بذلك ولا يبقى اليمين في قلبه فلا يؤمن أقدامه على الأيمان
349
الكاذبة فيختل ما هو الغرض الأصلي من اليمين وفي الخبر "ويل للتاجر من بلى والله ولا والله" ، وفي "بستان العارفين" : ويكره أن يصلى على النبي عليه السلام في عرص السلعة فيقول صلى الله على محمد ما أجود هذا وقال عليه السلام : "التجار هم الفجار" قيل : ولم يا رسول الله وقد أحل الله البيع؟ فقال : "لأنهم يحلفون ويأثمون ويتحدثون فيكذبون" ولا يحلف على الله بشيء نحو أن يقول والله ليفعلن الله كذا ولو أقسم ولي الله مثل القسم المذكور لأبره الله وصدقه في يمينه كرامة له ، وكان أبو حفص رحمه الله يمشي ذات يوم فاستقبله رستاقي مدهوش فقال له أبو حفص : ما أصابك؟ قال : ضل حماري ولا أملك غيره فوقف أبو حفص وقال : وعزتك لا أخطوا خطوة ما لم ترد حماره فظهر الحمار في الوقت كذا في "شرح المشارق".
جزء : 1 رقم الصفحة : 349
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾ اللغو ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبار يقال لغا لغوا إذا قال باطلا ﴿فى أيمانكم﴾ جمع يمين وهو الحلف وسميت بها لمعنيين : أحدهما أنها من اليمين التي هي اليد اليمنى وكانوا إذا تحالفوا في العهود تصافحوا بالأيمان فسميت بذلك.
والثاني أن اليمين هي القوة قال تعالى : ﴿لاخذنا منه باليمين﴾ (الحاقة : 45) وسميت به لأن الحالف يتقوى بيمينه على حفظ ما حلف عليه من فعل أو ترك والمراد باللغو في الأيمان ما لا عقد معه ولا قصد وهو أن يحلف الرجل بالله على شيء يظن أنه صادق فيه وليس كذلك سواء كان الذي يحلف عليه ماضيا أو غيره فليس له إثم ولا كفارة هذا عند أبي حنيفة وأما عند الشافعي فلغو اليمين ما سبق إليه اللسان بلا قصد الحلف نحو لا والله وبلى والله مما يوكدون به كلامهم من غير إخطار الحلف بالبال ولو قيل لواحد منهم سمعتك تحلف في المسجد الحرام لأنكر ذلك ولعله قال لا والله ألف مرة.
وفي الآية معنيان أحدهما لا يعاقبكم الله باللغو في أيمانكم ظنا أنكم صادقون فيه ﴿ولاكن يؤاخذكم﴾ المؤاخذة مفاعلة من الأخذ وهي المعاقبة ههنا ﴿بما كسبت قلوبكم﴾ انطوت عليه واقترفت قلوبكم من قصد الإثم بالكذب في اليمين وهو أن يحلف الرجل على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهي اليمين الغموس وسميت بالغموس لانغماس صاحبها في الإثم بها.
وثانيهما لا تلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه ولكن تلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من اليمين لا بكسب اللسان وحده ، وفي "التيسير" إن هذه الآية في مؤاخذة الآخرة فأما المؤاخذة المذكورة في قوله تعالى : ﴿ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان﴾ فهي المؤاخذة الكفارة لكنها في اليمين المعقودة فالآيتان في مؤاخذتين مختلفتين ﴿والله غفور﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو مع كونه ناشئا عن قلة المبالاة ﴿حليم﴾ حيث لم يعجل بالمؤاخذة وفيه إيذان بأن المؤاخذة المعاقبة لا إيحاب الكفارة إذ هي التي تتعلق بها المغفرة والحلم دونه.
والفرق بين الحليم والصبور أنه الذي لا يشمئز من الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش كما قال الله تعالى : ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة﴾ (النحل : 61) وحظ العبد من وصف الحليم ظاهر فالحلم من محاسن خصال العباد وفي الحديث "إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم مرتبة الصائم القائم" ، قال الحسين الواعظ الكاشفي :
جزء : 1 رقم الصفحة : 349
علم باحلم حال روى بود
علم بي حلم خاك كوى بود
350
بردبارى وزينت خردست
هركرا حلم نيست زيور نيست