تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي "التأويلات النجمية" : كما أن للنساء محيضا في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن لمنعهن عن الصلاة والصوم فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان إيمانهم لمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفس وكما أن المحيض هو سيلان الدم من الفرج فكذلك الهوى هو غلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى وقد قيل قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا فحينئذ منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة وإن كانت مشغولة بهما ، وطبقات المؤمنين ثلاث : العوام ، والخواص ، وخاص الخاص.

أما العوام فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذا كان على وصف الأذى وقيل لهم : ﴿نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم﴾ أنى شئتم.

وأما الخواص فلما كانوا بوصف الحضور يلزم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم : ﴿قل الله ثم ذرهم﴾ (الأنعام : 91) فهم سلكوا مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التوحيد.

وأما خاص الخاص فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بخلافة الحق فهم رجال الله وما دون الله نساؤهم فقيل لهم : ﴿نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ فهم الأنبياء وخواص

348

الأولياء فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاؤوا وكيف شاؤوا وما يشاؤون إلا أن يشاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئة الله وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال : ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه﴾ يعني : يا خواص الأولياء المتصرفين في حرث الدنيا والآخرة اتقوا الله بالله فإنكم ملاقو الله لا يحجبكم عنه شيء.

﴿وبشر المؤمنين﴾ بأنهم ملاقو الله أيضا إن اتقوا الله بالله يعني مرتبة خواص الأولياء ميسرة للمؤمنين إذا سعوا في طلبها حق سعيها ، قال الحافظ :

جمال يارندارد نقاب ورده ولي

غبار ره بنشان تانظر تواني كرد

جزء : 1 رقم الصفحة : 346

﴿ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ روى أن بشير بن نعمان الأنصاري كان قد طلق زوجته التي هي أخت عبد الله بن رواحة وأراد أن يتزوجها بعد ذلك وكان عبد الله قد حلف على أن لا يدخل على بشير ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين أخته فإذا قيل له في ذلك قال : قد حلفت بالله أن لا أفعل ولا يحل لي إلا أن لا أحفظ يميني وأبر فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والعرضة : فعلة بمعنى المعروض جعل اسما لما يعرض دون الشيء أي : يجعل قدامه بحيث يصير حاجزا ومانعا منه من عرض العود على الإناء أي : جعل العود على الإناء وستره به بحيث يكون حاجزا وحائلا بين الإناء وما يتوجه إليه والمعنى لا تجعلوا ذكر الله والحلف به مانعا لما حلفتم عليه من أنواع الخير كالبر والاتقاء والإصلاح فإن الحلف بالله لا يمنع ذلك فيكون لفظ الإيمان مجازا مرسلا عن الخيرات المحلوف عليها سمي المحلوف عليه يمينا لتعلق اليمين به واللام في لأيمانكم متعلق بقوله عرضة تعلق المفعولية لا تعلق العلية لأن العرضة ما عرضته دون الشيء فاعترضه أي : ما تجعله أنت قدام شيء آخر فيقع قدامه فيكون المعنى لا تجعلوا الحلف بالله شيئا عرض أو وقع قدام المحلوف عليه الذي هو البر والخير ويصير مانعا من الإتيان به وأن تبروا عطف بيان لأيمانكم أي : للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح ﴿والله سميع﴾ لإيمانكم ﴿عليم﴾ بنياتكم حتى إن تركتم الحلف تعظيماوإجلالا له من أن تستشهدوا باسمه الكريم في الأغراض العاجلة يعلم ما في قلوبكم ونيتكم فحافظوا على ما كلفتموه.

وفي "المثنوي" :

ازي آن كفت حق خودرا سميع

تاببندى لب ز كفتار شنيع

ازي آن كفت حق خودرا بصير

كه بود ديدويت هردم نذير

ازي آن كفت حق خودرا عليم

تانينديشي فسادي توزبيم

جزء : 1 رقم الصفحة : 349

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٨٦