ثم إنه قال : قال العلماء إذا حلف بشيء فحنث إن كان مستقبلا فعليه كفارة وهو اليمين المنعقدة وإن كان ماضيا فإن كان الحالف عالما بالواقع وحلف على خلافه فاليمين كبيرة ولا كفارة عند أبي حنيفة في الكبائر وعند الشافعي تجب الكفارة فيه وهو اليمين الغموس وإن كان الحالف جاهلا بالواقع ويرى أنه صادق فيه وليس كذلك لا كفارة فيه وهو يمين اللغو عند أبي حنيفة واليمين الغموس عند الشافعي ويحكم فيه بالكفارة واليمين بالله أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته فاليمين بالله أن يقول والذي أصلي له والذي نفسي بيده واليمين بأسمائه كقوله : والله والرحمن ونحوه واليمين بصفته كقوله وعزة الله وعظمته وجلال الله وقدرته ونحوها ومن حلف بغير الله مثل أن قال والكعبة وبيت الله ونبي الله أو حلف بأبيه ونحوه فلا يكون يمينا ولا تجب به الكفارة إذا خالف وهي يمين مكروهة قال الشافعي : وأخشى أن تكون معصية وفي الحديث "من حلف بغير الله فقد أشرك بالله" معناه من حلف بغير الله تعالى معتقدا تعظيم ذلك الغير فقد أشرك المحلوف به مع الله في التعظيم المختص به ولو لم يكن على قصد التعظيم والاعتقاد به فلا بأس به كقوله لا وأبي ونحو ذلك كما جرت به العادة ، قال علي الرازي : أخاف الكفر على من قال بحياتي وبحياتك وما أشبهه ولولا أن العامة يقولونه ولا يعلمونه لقلت إنه الشرك لأنه لا يمين إلا بالله ولا يحلف بالبراءة من الإسلام فمن فعل ذلك صادقا لن يرجع إلى الإسلام سالما وإن كان كاذبا خيف عليه الكفر وفي الحديث "من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال" وظاهر الحديث يدل على أن المسلم إن قال إن أفعل كذا فأنا يهودي ففعل يكفر وبه عمل الشافعي وقال الحنفية لا يكفر فحملوا الحديث على التهديد وأما إن علقه بالماضي كقوله : إن فعلت كذا فأنا يهودي وقد فعل فقد اختلفت الحنفية والصحيح أنه لا يكفر إن كان يعلم أنه يمين وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر لأنه رضي بالكفر وهو محمل الحديث عند الأكثر ، وفي "الفتاوي البزازية" والفتوى على أنه يمين يلزم عليه الكفارة.
والإشارة في الآية أن ما يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر ولو كان له أثر في الخير لما عاب على قوم ﴿يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم﴾ (الفتح : 11) وكذا ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح لو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما بقوله : ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ (الصف : 3) ولو كان له أثر في البر لما وسع على قوم بقوله :
جزء : 1 رقم الصفحة : 349
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ وما عفا عن قوم بقوله : ﴿إلا من أكره وقلبه مطماانا بالايمان﴾ (النحل : 106) وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح كالآلات للحراثة والأعمال والأقوال كالبذر فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت وإن كان في آلة من آلات الحراثة فافهم جدا ، وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير أدنى آثار في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله من كمال فضله وكرمه لا يضيعه حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما وإن كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في القلب فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به بل يحلم عنه ويتوب عليه
351
ويغفر له كما قال : ﴿والله غفور حليم﴾ كذا في "التأويلات النجمية".
جزء : 1 رقم الصفحة : 351