تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أنه عليه السلام بعث مرثدا الغنوي إلى مكة ليخرج منها أناسا من المسلمين سرا فأتته عتاق وكان يهواها في الجاهلية فقالت : ألا تخلو فقال : إن الإسلام حال بيننا فقالت : هل لك أن تتزوج بي فقال : نعم ولكن استأمر رسول الله عليه السلام فاستأمره فنزلت ﴿ولامة مؤمنة﴾ مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر ﴿خير﴾ بحسب الدين والدنيا ﴿من مشركة﴾ أي : امرأة مشركة مع ما لها من شرف الحرية ورفعة الشأن ﴿ولو أعجبتكم﴾ تلك المشركة بجمالها ومالها ونسبها وبغير ذلك من مبادىء الإعجاب وموجبات الرغبة والواو للحال ومعنى كونها للحال كونها عاطفة لمدخولها على حال محذوفة قبلها والتقدير خير من مشركة على كل حال ولو في هذه الحالة والمقصود من مثل هذا التركيب استقصاء الأحوال.

جزء : 1 رقم الصفحة : 345

وفي "تفسير الكواشي" : لو هنا بمعنى إن وكذا كل موضع وليها الفعل الماضي وكان جوابها مقدما عليها والمعنى وإن كانت المشركة تعجبكم وتحبونها فإن المؤمنة خير لكم ﴿ولا تنكحوا﴾ بضم التاء من الإنكاح ﴿المشركين﴾ أي : الكفار أعم من الوثني وغيره أي : لا تزوجوا منهم المؤمنات سواء كن حرائر أم إماء ﴿حتى يؤمنوا﴾ ويتركوا ما هم عليه من الكفر ، قال ابن الشيخ في "حواشيه" : أي : لا تزوجوهم الصغيرات من بناتكم ومن في حكمهن ممن هو تحت ولايتكم ولا تزوج البالغات من المؤمنات منهم أنفسهم فقوله : ولا تنكحوا من قبيل تغليب الذكور على الإناث ولا خلاف في هذا الحكم فإن المشرك هنا باق على همومه ولا يحل تزويج المؤمنة من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفر ﴿ولعبد مؤمن﴾ مع ما به من ذل المملوكية ﴿خير من مشركة﴾ مع ما به من عز المالكية ﴿ولو أعجبكم﴾ بماله وجماله وخصاله ﴿أوالائك﴾ المذكورون من المشركين والمشركات ﴿يدعون﴾ من يقارنهم ويعاشرهم ﴿إلى النار﴾ أي : إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتهم ﴿والله﴾ أي : وأولياؤه يعني المؤمنين حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه تفخيما لشأنهم ﴿يدعوا إلى الجنة والمغفرة﴾ أي : إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح الموصلين إليها فهم الأحقاء بالمواصلة ﴿بإذنه﴾ متعلق بيدعو أي : يدعو ملتبسا بتوفيقه الذي من جملته إرشاد المؤمنين لمقارنيهم إلى الخير ونصيحتهم إياهم ﴿ويبين ءاياته﴾ المشتملة على الأحكام الفائقة والحكم الرائقة ﴿للناس لعلهم يتذكرون﴾ أي : لكي يتذكروا ويعملوا بما فيها فيفوزوا بما دعوا إليه من الجنة والغفران

345

وإيراد التذكر ههنا للإشعار بأنه واضع لا يحتاج إلى التفكر كما في الأحكام السابقة ، ففي الآية نهى عن مواصلة الكفار وترغيب في مواصلة المؤمنين ولا ينبغي للمؤمن أن تعجبه المشركة بمالها وجمالها فإن من المسلمات من تدفع التعجب ، وفي "المحيط" : مسلم رأى نصرانية سمينة وتمنى أن يكون هو نصرانيا حتى يتزوجها يكفر وهذا من حماقته فإن السمان الحسنة كثيرة في الملة الحنيفية ولكن علة الضم هي الجنسية كما قال تعالى : ﴿الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ (النور : 3) وميل الطباع القذرة إلى الدنيا العذرة قال تعالى : ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثاتا والطيبات للطيبين﴾ (النور : 26) ونعم ما قيل :

جزء : 1 رقم الصفحة : 345

همه مرغان كندبا جنس رواز

كبوتر با كبوتر بازباباز

ومن بلاغات الزمخشري لا ترض لمجالستك إلا أهل مجانستك أي : لا ترض أن يكون لك جليس من غير جنسك فإن العذاب الشديد ليس إلا هو ، قال في "أسئلة الحكم" وأما اختلاف الأخلاق فمن تعارف الأرواح بعضها ببعض في عالم الأرواح قبل تلاقي الأشباح في عالم الشهادة فمن تعارف روحه بروح صالح صلح بتعارفه الأزلي فمن هنا اختلاف الأخلاق صلاحها وفسادها فلا بد من مناسبة إما من الجهة الجسمانية أو من الجهة الروحانية فالجهة الجسمانية راجعة إلى قابلية الطين والطبيعة الروحانية راجعة إلى المناسبة الروحانية السابقة انتهى.

قال الإمام السخاوي في "المقاصد الحسنة" عند قوله عليه السلام : "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" سبب ورود هذا الحديث ما روته عائشة رضي الله عنها أن امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن فلما هاجرن ووسع الله تعالى دخلت المدينة قالت عائشة : فدخلت علي فقلت لها فلانة إلى من قدمت قالت إليكن قلت : فأين نزلت؟ قالت على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة قالت عائشة ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "فلانة المضحكة عندكم" قالت عائشة نعم قال : "فعلى من نزلت" قالت على فلانة المضحكة قال : "الحمد إن الأرواح" الخ ، قال بعضهم :

بيني وبينك في المحبة نسبة

مستورة عن سر هذا العالم

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٨٣