تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن مخالطة الأيتام من أخلاق الكرام وفي الترحم عليهم فوائد جمة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : "من وضع يده على رأس يتيم ترحما عليه كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة" وفي الحديث "ثلاثة في ظل عرش الله يوم القيامة امرأة مات عنها زوجها وترك عليها يتامى صغارا فخطبت فلم تتزوج وقالت : أقيم على اليتامى حتى يغنيهم الله أو يموت" يعني اليتيم "أو هي ورجل له مال صنع طعاما فأطاب صنيعه وأحسن نفقته فدعا إليه اليتيم والمسكين وواصل الرحم يوسع له في رزقه ويمد له في أجله ويكون تحت ظل عرشه" قال الله تعالى : "يا موسى كن لليتيم كالأب الرحيم وكن للأرامل كالزوج الشفيق وكن للغريب كالأخ الرفيق أكن لك كذلك" ، قال الحافظ :

جزء : 1 رقم الصفحة : 342

تيمار غريبان سبب ذكر جميلست

جانا مكر اين قاعدة در شهر شمانيست

وفي الحديث "أنا وكافل اليتيم" أي : القائم بمصالحه سواء كان من مال نفسه أم من مال اليتيم وسواء كان اليتيم قريبا أم لا "كهاتين في الجنة" وأشار بالسبابة والوسطى يعني أن كافل اليتيم يكون في الجنة مع حضرة النبي عليه الصلاة والسلام لا أن درجته تبلغ درجته ، قال الشيخ سعدي قدس سره :

وبيني يتيمي سرافكنده يش

مده بوسه بر روى فرزند خويش

ألا تانكريد كه عرش عظيم

بلرزد همي ون بكريد يتيم

ويجتنب كل الاجتناب عن إخلال حق من حقوقه وأكل حبة من ماله وعن ظلمه وقهره.

يحكى أن رستم بن زال بارز مع اسفنديار فلم يقدر عليه مع زيادة قوته وكان اسفنديار يجرحه في كل حمل دون رستم وكان بدن اسفنديار كجلد السمك لا يعمل فيه شيء ثم إن رستم تشاور مع أبيه زال في ذلك فقال له أبوه : إنك لا تقدر عليه إلا أن تعمل سهما ذا فقارين وتصيب به عيني اسفنديار ففعل ذلك فرمى فأصاب فغلب عليه بذلك فيحكى في سبب ذلك أن اسفنديار كان قد ضرب في شبيبته يتيما بغصن ففقأ به عينه وأبكاه ثم إن اليتيم أخذ ذلك الغصن وغرسه فلما صار شجرا أخذ رستم غصنا من أغصانه ونحت منه سهمه الذي أصاب به عيني اسفنديار ، ويؤدب اليتيم الذي في حجره كتأديبه ولده فإنه مسؤول عنه يوم القيامة ويصلح حاله ، والتأديب على أنواع : منها الوعيد ، ومنها الضرب ، ومنها حبس المنافع والعطية والبر فإن بين النفوس تفاوتا فنفس تخضع بالغلظة والشدة ولو استعملت معها الرفق والبر لأفسدها ونفس بالعكس وقد جعل الله الحدود والتعزير لتأديب العباد على قدر ما يأتون من المنكر فأدب الأحرار إلى السلطان وأدب المماليك والأولاد إلى السادات والآباء وهو مأجور على التأديب ومسؤول عنه قال الله تعالى : ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ (التحريم : 6) وفي الحديث "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وفي قوله تعالى : ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ إشارة إلى أن المرء ينبغي أن يتعود الأكل مع الناس فإن شر الناس من أكل وحده وفي الحديث "إن من أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي" ذكره في "العوارف" وذكر في "المصابيح" أن أصحاب النبي عليه السلام قالوا : يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال : "لعلكم تفترقون" قالوا : نعم قال : "فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله

344

تعالى" ، ومن اللطائف ما يحكى أنه قيل لجمين صاحب النوادر أتغديت عند فلان؟ قال : لا ولكن مررت ببابه وهو يتغدى فقيل : كيف علمت؟ قال : رأيت غلمانه بأيديهم قسي البنادق يرمون الطير في الهواء قيل لبخيل من أشجع الناس فقال : من يسمع وقع أضراس الناس فلا تنشق مرارته وفي الحديث "من أضاف مؤمنا فكأنما أضاف آدم ومن أضاف اثنين فكأنما أضاف آدم وحواء" كذا في "الرسالة العلية" لحسين الواعظ.

جزء : 1 رقم الصفحة : 342

﴿ولا تنكحوا﴾ بفتح التاء أي : لا تتزوجوا ﴿المشركات﴾ أي : الحربيات فإن الكتابيات وإن كانت من المشركات إلا أنه يجوز تزوجها عند الجمهور استدلالا بقوله تعالى في سورة المائدة ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ (المائدة : 5) وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء أصلا ﴿حتى يؤمن﴾ أي : يصدقن بالله وبمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٨٢