تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأتم الإعراض عن كؤوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية وكما أن سكران الخمر ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات وأما إثم الميسر فهو أن آثار القمار هي شعار أكثر الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال وأنه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار وأما نفعه فعدم الالتفات إلى الكونين وبزل نقوش العالمين في فردانية نقش الكعبتين وإثمهما أكبر من نفعهما لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص والعوام أكثر من الخواص وقليل ما هم كذا في "التأويلات النجمية" قدست نفسه الزكية ﴿يسالونك عن الخمر﴾ هو كما يصلح سؤالا عن جنس المنفق يصلح سؤالا عن كميته وقدره فإنه لما نزل قوله تعالى : ﴿قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين﴾ (البقرة : 215) قال عمر بن الجموح ما أنفق فنزل قوله ﴿قل العفو﴾ أي : أنفقوا العفو وهو نقيض الجهد وهو المشقة ونقيضه اليسر والسهولة فكأنه قيل قل أنفق ما سهل وتيسر ولم يشق عليك إنفاقه فالعفو من المال ما يسهل إنفاقه والجهد من المال ما يعسر إنفاقه والقدر المنفق إنما يكون إنفاقه سهلا إذا كان فاضلا عن حاجة نفسه وعياله ومن عليه مؤونته ﴿كذالك﴾ أي : مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد والكاف في محل النصب صفة لمصدر محذوف أي : تبيينا مثل هذا التبيين وإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين باعتبار القبيل أو الفريق أو القوم مما هو مفرد اللفظ ومجموع المعنى ﴿يبين الله لكم الايات﴾ الدالة على الأحكام الشرعية لا بيانا أدنى منه وتبيين الآيات تنزيلها مبينة الفحوى واضحة المدلول لا أنه تبيينها بعد أن كانت مشتبهة وملتبسة

341

﴿لعلكم تتفكرون﴾ .

جزء : 1 رقم الصفحة : 336

﴿في الدنيا والاخرة﴾ أي : لكي تتفكروا في أمور الدارين فتأخذوا بما هو أصلح لكم وأسهل في الدنيا وأنفع في العقبى وتتجنبوا عما يضركم في العقبى ، قال البغوي : يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها وهذه الآية ترغب في التصدق لكن بشرط أن يكون ذلك من فضل المال وعفوه وعن النبي عليه السلام أن رجلا أتاه ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال : يا رسول الله خذها مني صدقة فوالله لقد أصبحت ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله فأتاه من الجانب الأيمن فقاله مثله فأعرض عنه ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه فقال : "هاتها" مغضبا فأخذها منه فحذفها حذفا لو أصابه لشجه أو عقره ثم قال : "يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها" وفي لفظ العفو إشارة إلى أن ما يعطيه المرء ينبغي أن يعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني بطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس ثم الإخراج عن فاضل الأموال على قدر الكفاية طريقة الخواص.

فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر غيره على نفسه وبه فاقه إلى ما يخرج وإن كان صاحبه الذي يؤثر به غنيا قال الله تعالى : ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ (الحشر : 9) وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك مالا عندي فقلت : اليوم أسبق أبا بكر رضي الله عنه فجئت بنصف مالي فتصدقت به فقال لي رسول الله : "ما أبقيت لأهلك يا عمر" قلت نصف مالي يا رسول الله ثم قال لأبي بكر : "ما أبقيت لأهلك" قال : أبقيت لهم الله ورسوله فقلت : لا أسابقك بشيء بعدها روي أن النبي عليه السلام قال عند ذلك : "ما بينكما ما بين كلاميكما" ومنه يعرف فضل أبي بكر على عمر لكن الفاضلة من وجه لا تنافي المفضولية من وجه آخر فإن الكامل ليس يلزمه أن يكون كاملا في جميع الأمور وإنما التقدم والتأخر بالنظر إلى العلم بالله.

قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره : كان أبو بكر غالب المعرفة وعمر غالب الشريعة وعثمان غالب الطريقة وعلي غالب الحقيقة وإن كانوا كاملين في المراتب الأربع انتهى كلامه ، قال الحسين الواعظ الكاشي :

جزء : 1 رقم الصفحة : 342

مايه توفيق كرم كردن است

كنج يقين ترك درم كردن است

زادره مرك زنان دادن است

زندكي عشق زجان دادن است

فسخاوة العوام أعطاء المال وسخاوة الخواص بذل الروح وهو قليل.

هست جو انمرد درم صدهزار

كار وباجان فتد آنست كار

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٨٠