تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال في "التأويلات النجمية" : عند قوله تعالى : ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ الآية الخصال الذميمة التي عليها أكثر الناس كلها عارضة لهم فإنهم كانوا حين أشهدهم الله على أنفسهم أمة واحدة وولدوا على الفطرة لقوله عليه السلام : "كل مولود يولد على فطرة الإسلام فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" وما قال عليه السلام أو يسلمانه لمعنيين : أحدهما : أن الكفر يحصل بالتقليد ولكن الإيمان الحقيقي لا يحصل به ، والثاني : أن الأبوين الأصلين هما الأنجم والعناصر فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والأمهات يضل عن سبيل الحق ويزل قدمه عن الصراط المستقيم التوحيد والمعرفة ولو كان نبيا يحتاج إلى هاد يهدي إلى الحق كما قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم ﴿ووجدك ضآلا فهدى﴾ (الضحى : 7) ولكل من السعادة والشقاوة كتاب كما قال عليه السلام : "ما من نفس إلا وقد كتب في كتابها من أهل الجنة أو النار وكتب شقية أو سعيدة" فقالوا : أفلا نتكل على كتابنا يا رسول الله وندع العمل قال : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة" فلا بد من مقاساة بأساء الترك والتجريد والفقر والافتقار حتى يحصل دخول جنة الجمال ودار القرار فلم يضجروا من طول مدة الحجاب وكثرة الجهاد في الفراق وعيل صبرهم عن مشاهدة الجمال وذوق الوصال وطلبوا نصر الله بالتجلي على قمع صفات النفوس مع قوة مصابرتهم وحسن تحملهم لما يقول المحبوب ويريد بهم حتى جاء نصر الله فرفع الحجاب وظهر أنوار الجمال.

جزء : 1 رقم الصفحة : 329

﴿يسالونك ماذا ينفقون﴾ أي : أي شيء يتصدقون به من أصناف أموالهم ، نزلت حين حث النبي عليه السلام على التصدق في سبيل الله وسأل عمرو بن الجموح وهو شيخ هم أي فانن وله مال عظيم فقال : ماذا ننفق يا رسول الله من أموالنا وأين نضعها؟ ﴿قل مآ أنفقتم من خير﴾ أي : أي شيء أنفقتم من أي : خير كان وهو بيان للمنفق والمال يسمى خيرا لأن حقه أن يصرف إلى جهة الخير فصار بذلك كأنه نفس الخير ﴿فللوالدين﴾ ، فإن قلت كيف طابق الجواب السؤال وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون وأجيبوا ببيان المصرف؟ قلت : قد تضمن قوله ﴿مآ أنفقتم من خير﴾ بيان ما ينفقونه

331

وهو كل خير وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها ﴿والاقربين واليتامى﴾ أي : المحتاجين ﴿والمساكين وابن السبيل﴾ ولم يتعرض للسائلين والرقاب إما اكتفاء بما ذكر في المواقع الأخر وإما بناء على دخولهم تحت عموم قوله تعالى ﴿وما﴾ أي أي شيء ﴿تفعلوا من خير﴾ فإنه شامل لكل خير واقع في أي : مصرف كان ﴿فإن الله به عليم﴾ أي إن تفعلوا خيرا فإن الله يعلم كنهه ويوفي ثوابه ، والمراد بهذه الآية الحث على بر الوالدين وصلة الأرحام وقضاء حاجة ذي الحاجة على سبيل التطوع ولا ينافيه إيجاب الزكاة وحصر مصارفها في الأصناف الثمانية كما ذكر في قوله تعالى : ﴿إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل﴾ (التوبة : 60).

جزء : 1 رقم الصفحة : 331

﴿كتب﴾ أي : فرض ﴿عليكم القتال﴾ أي : قتال الكفرة والجمهور على أن الجهاد فرض على الكفاية مثل صلاة الجنازة ورد السلام ﴿وهو﴾ أي : والحال أن القتال ﴿كره لكم﴾ شاق عليكم مكروه فالكره مصدر بمعنى الكراهة نعت به للمبالغة كأن القتال في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له وهذه الكراهة من حيث نفور الطبع منه لما فيه من مؤونة المال ومشقة النفس وخطر الروح لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى وكراهة الطبع لا توجب الذم بل تحقق معنى العبودية إذا فعل ذلك اتباعا للشرع مع نفرة الطبع فأما كراهة الاعتقاد فهي من صفات المنافقين.

﴿وعسى أن تكرهوا شيئا﴾ وهو جميع ما كلفوه من الأمور الشاقة التي من جملتها القتال.

﴿وهو خير لكم﴾ لأن في الغزو إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة ، وعسى كلمة تجري مجرى لعل وهي من العباد للترجي ومن الله للترجية.

﴿وعسى أن تحبوا شيئا﴾ وهو جميع ما نهوا عنه من الأمور المستلذة التي من جملتها القعود عن الغزو ﴿وهو شر لكم﴾ لما فيه من فوات الغنيمة والأجر وغلبة الأعداءوتخريب الدار.

﴿والله يعلم﴾ ما هو خير لكم دينا ودنيا فلذا يأمركم به.

﴿وأنتم لا تعلمون﴾ ذلك ولذلك تكرهونه.

قال في "المثنوي" :

ما التصوف قال وجدان الفرح

في الفؤاد عند إتيان الترحجمله در زنجير بيم وابتلا

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٧٢