حيث جعلوا ما أنزل لإزالة الاختلاف سببا لاستحكامه ورسوخه ﴿منا بعد ما جآءتهم البينات﴾ أي : رسخت في عقولهم ومن متعلق بما اختلف ولم تمنع إلا من ذلك كقولك : ما قام إلا زيد يوم الجمعة ﴿بغيا بينهم﴾ مفعول له لقوله : ﴿وما اختلف﴾ فالاستثناء متعلق بثلاثة أشياء والتقدير وما اختلف فيه إلا الذين الخ وما اختلفوا فيه إلا من بعد إلخ ، وما كان الاختلاف إلا للبغي والتهالك على الدنيا وللحسد والظلم كما فعل قابيل بهابيل وما قتله لإشكال الحق عليه بل حسدا منه على أخيه وهكذا في كل عصر وهذا فعل الرؤساء ثم العامة اتباعا لهم وفعلهم مضاف إليهم فتبين أن الاختلاف في الحق أمر متقادم في الإسلام ﴿فهدى الله الذين ءامنوا﴾ بالكتاب ﴿لما اختلفوا فيه﴾ متعلق بهدى وما موصولة ومعناه هدى إلى ما اختلفوا فيه ﴿من الحق﴾ بيان لما ﴿بإذنه﴾ أي : بأمره وتيسيره ولطفه وإرادته ورحمته حتى أبصروا الحق بنور التوفيق من الباطل ﴿والله يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم﴾ لا يضل سالكه.
جزء : 1 رقم الصفحة : 329
﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ خاطب به النبي عليه السلام والمؤمنين بعد ما ذكر اختلاف الأمم على الأنبياء بعد مجيء الآيات تشجيعا لهم على الثبات على المصابرة على مخالفة الكفرة فإن عاقبة الأمر النصر.
وأم منقطعة الإخبار المتقدم إلى الإنكار المدلول عليه بهمزة الاستفهام أي : ما كان ينبغي أن تحسبوا ذلك فتقدر ببل والهمزة قبل إضراب عن وتظنوا أولم حسبتموه ﴿ولما يأتكم﴾ أي : والحال لم يجئكم ﴿مثل الذين خلوا﴾ أي : صفة الذين مضوا ﴿من قبلكم﴾ من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين ولم تبتلوا بعد بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة وهو متوقع ومنتظر ﴿مستهم البأسآء﴾ بيان له على الاستئناف كأنه قيل : كيف كان مثلهم وحالهم العجيبة؟ فقيل : مستهم البأساء أي : الشدة من الخوف والفاقة ﴿والضرآء﴾ أي : الآلام والأمراض ﴿وزلزلوا﴾ أي : أزعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشدائد ﴿حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه﴾ أي : انتهى أمرهم من الشدة إلى حيث اضطرهم الضجر إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بشؤون الناس وأوثقهم بنصره والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بأنواره ﴿متى﴾ أي : يأتي ﴿نصر الله﴾ الذي وعدناه طلبا وتمنيا له واستطالة لمدة الشدة والعناء فإن الشدة وإن قصر فهو طويل في عين المبتلي بها فلا محالة يستبطىء النصر فأجابهم الله بقوله : ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ إسعافا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر أي : أنا ناصر أوليائي لا محالة ونصري قريب منهم فإن كل آتت قريب ولما كان الجواب بذكر القرب دل ذلك على أن السؤال كان واقعا عن زمان النصر أقريب هو أم بعيد ولو كان السؤال عن وقوع أصل النصر بمعنى أنه هل يوجد أو لا لما كان الجواب مطابقا للسؤال ، وفي الآية إشارة إلى أن الوصول إلى الله والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات كما قال عليه السلام : "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" كذا في "تفسير القاضي".
ونعم ما قيل :
جزء : 1 رقم الصفحة : 329
فلك مشام كسى خوش كند ببوى مراد
كه خاك معركه باشد عبير وعنبر او
وعن خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه قال لما شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين قال : "إن من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بأنواع البلاء
330
فلا يصرفهم ذلك عن دينهم حتى أن الرجل كان يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين ويمشط الرجل بأمشاط الحديد بما دون العظم من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه وايم الله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون" قالوا : كل نبي بعث إلى أمته أجهد حتى قال متى نصر الله ووقع ذلك للرسول عليه السلام حين وقع له ضجر شديد قبل فتح مكة فقال في يوم الأحزاب حيث لم يبق لأصحابه صبر حتى ضجوا وطلبوا النصرة فأرسل الله ريحا وجنودا وهزم الكفار بهما ، ومن شدائده عليه السلام غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى كما قال تعالى : ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ (الأحزاب : 10) ولو اطلعت على ما أصابهم من عداوة اليهود وأسرار النفاق وأذى القوم يمينا وشمالا ببذل المجهود حين هاجروا إلى المدينة لكفى ذلك عبرة في هذا الباب فنحن أولى بمقاساة أمثال هذه الشدائد خصوصا في هذا الزمان الذي لا تجد بدا من طعن الناس وأذاهم إذ البلاء على الأنبياء ثم على الأولياء ثم الأمثل فالأمثل :
غبار لازمه آسيا بود صائب
امان ز حادثة آسمان ه ميخواهي