ميروند اين ره بغير اوليا يعني : أن المقلد يجري إلى الحضرة بالاضطرار بخلاف الولي ، قال ذو النون المصري رحمه الله : إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء : الأول ضعف النية بعمل الآخرة ، والثاني : صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم ، والثالث : غلب عليهم حلول الأمل مع قرب الأجل ، والرابع : آثروا رضى المخلوقين على رضى الخالق ، والخامس : اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم وراء ظهورهم ، والسادس : جعلوا قليل زلات السلف حجة أنفسهم ودفنوا كثير مناقبهم.
فعلى العاقل أن يجاهد مع النفس والطبيعة ليرتفع الهوى والشهوات والبدعة ويتمكن في القلوب حب العمل بالكتاب والسنة.
قال إبراهيم الخواص رحمه الله : كنت في جبل لكام فرأيت رمانا فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركتها فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزنابير فقلت السلام عليك فقال : وعليك السلام يا إبراهيم فقلت كيف عرفتني؟ فقال : من عرف الله لا يخفى عليه شيء فقلت له : أرى لك حالا مع الله فلو سألته أن يحميك ويقيك الأذى من هذه الزنابير فقال :
332
وأرى لك حالا مع الله فلو سألته أن يقيك شهوة الرمان فلدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا فتركته ومشيت.
قال السعدي قدس سره :
جزء : 1 رقم الصفحة : 332
مبر طاعت نفس شهوت رست
كه هر ساعتش قبله دبكرست
كند مردرا نفس أمارة خوار
اكرهو شمندي عزيزش مدار
وفي "التأويلات القاشانية" ﴿كتب عليكم القتال﴾ قتال النفس والشيطان ﴿وهو كره﴾ مكروه ﴿لكم﴾ مر أمر من طعم العلقم وأشد من ضغم الضيغم ، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل وجودك ذنب لا يقاس عليه ذنب آخر وكما قال ابن منصور :
بيني وبينك أني قد يزاحمني
فارفع بجودك لي أني من البين ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ لاحتجابكم بهوى النفس وحب اللذة العاجلة عما في ضمنه من الخير الكثير واللذة العظيمة الروحانية التي تستحقر تلك الشدة السريعة الانقضاء بالقياس إلى ذلك الخير الباقي واللذات السرمدية.
﴿وعسى أن تحبوا شيئا﴾ من اللذات الجسمانية وتمتعات النفس وهو شر لكم للنفس بحرمانها من اللذات الروحانية ﴿والله يعلم﴾ أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ أن حياة القلوب في موت النفوس وفي حياة النفوس موت القلوب كما قال قدس سره :
اقتلوني اقتلوني يا ثقات
إن في قتلي حياتا في حياتخنجر وشمشير شدريحان من
مرك من شد بزم ونر كسدان من
جزء : 1 رقم الصفحة : 332
﴿يسالونك عن الشهر الحرام﴾ روي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمته صلى الله عليه وسلم أخت أبيه في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي وأبا حذيفة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وكتب لأميرهم عبد الله بن ججش كتابا وقال : "سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين فإذا نزلت فافتح الكتاب وأقرأه على أصحابك ثم امضض لما أمرتك ولا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك" فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منها بخير" فلما نظر في الكتاب قال : سمعا وطاعة ثم قال لأصحابه ذلك ، وقال : إنه نهاني أن أكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كاد يقعد فوق القزع بموضع من الحجاز يقال له : بحران فأضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى بقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف فبينما هم كذلك مرت عير قريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان فلما رأوا أصحاب رسول الله هابوهم فقال عبد الله بن جحش : إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فحلقوا رأس
333