تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يحكى أن عيسى عليه السلام سافر ومعه يهودي فكان مع عيسى ثلاثة أقراص فأعطاها اليهودي وقال : احفظها ثم بعد ساعة أكل اليهودي واحدا منها فقال عيسى : أعط الأقراص الثلاثة فقدم قرصين فقال : أين ثالثها؟ فقال اليهودي : لم تكن أكثر من هذا فمشيا حتى شاهد من عيسى عجائب فأقسم عليه عيسى لذلك حتى يقر بالقرص الثالث فلم يقر فلحقا بثلاث لبنات من الذهب فقال اليهودي : اقسم ذلك فقال عيسى واحدة لي وواحدة لك وواحدة لمن أكل القرص الثالث فقال اليهودي : أنا أكلت القرص الثالث فقال عيسى : ابعد عني فقد شاهدت قدرة الله ولم تقر به ، والآن قد أقررت بالدنيا فترك اللبنات عند اليهودي ومشى وجاء ثلاثة من اللصوص وقتلوا اليهودي

328

وأخذوا اللبنات ثم بعثوا من جملتهم واحدا ليأتي لهم بطعام فلما غاب عنهم تشاورا في قتله وقالا إذا رجع قتلناه وأخذنا نصيبه فذهب واشترى سما فطرحه في الطعام الذي اشتراه حتى يأكل ذلك الطعام صاحباه فيموتا ويأخذ اللبنات فلما قدم عليهما قاما وقتلاه ثم أكلا الطعام فماتا فعبر عليهم عيسى فوجد اليهودي وهؤلاء الثلاثة مقتولين فتعجب من ذلك فنزل جبريل وأخبره بالقصة ، فينبغي للعاقل أن لا يغتر بكثرة الدنيا وأن لا يهتم في جمعها بل يزرع فيها بذر العمل كي يحصد في الآخرة لأن الدنيا مزرعة الآخرة ولا ينبغي للأغنياء أن يحقروا الفقراء بالغرور بكثرة دنياهم ولا يسخروا منهم لأن هذه الصفة من صفات الكفرة.

قال السعدي :

ومنعم كند سفله را روزكار

نهد بردل تنك درويش بار

وبام بلندش بودخود رست

كندبول وحاشاك بربام ست

والإشارة في الآية أن الله إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريه آياته في الملك والملكوت فإن تغير بأحواله أو تعجب بكماله فيقبل على شيء من مرادات النفس ويبدل نعمته بموافقة النفس ورضاها ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ بأن يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله ويشهده قوله تعالى : ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد : 11) ومن شدة عقابه أنه إذا أذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب منه وأصر عليه أن يعاقبه بالابتداء بكبيرة مثل تبدل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة في الدنيا ودوام النقمة في العقبى ، وأيضا من شدة عقابه أن ﴿زين للذين كفروا الحيواة الدنيا﴾ ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا ﴿ويسخرون من الذين ءامنوا﴾ من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار أحبابه وسيعلم الذين ظلموا أي : منقلب ينقلبون ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامةا والله يرزق من يشآء﴾ من درجات أعلى عليين ودركات أسفل سافلين ﴿بغير حساب﴾ بغير نهاية إلى أبد الآباد فإن ما لا نهاية له لا مدخل له تحت الحساب وفيه معنى آخر بغير حساب يعني ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير حساب كذا في "التأويلات النجمية".

جزء : 1 رقم الصفحة : 327

﴿كان الناس أمة واحدة﴾ أي : جماعة واحدة متفقين في الإيمان واتباع الحق من وقت آدم إلى مبعث نوح عليهما السلام وكان بينهما عشرة قرون كل قرن ثمانون سنة كما عند الأكثر ﴿فبعث الله النبيان﴾ أي : فاختلفوا فبعث إلخ بدلالة قوله تعالى : ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ ﴿مبشرين﴾ بالثواب لمن آمن وأطاع ﴿ومنذرين﴾ محذرين بالعقاب لمن كفر وعصى ﴿وأنزل معهم الكتاب﴾ أي : كتاب أو مع كل واحد منهم ممن له كتاب كتابه الخاص لا مع كل واحد منهم على الإطلاق إذ لم يكن لبعضهم كتاب وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم وعموم النبيين لا ينافي خصوص الضمير العائد إليه بمعونة المقام ﴿بالحق﴾ أي : حال كون ذلك الكتاب ملتبسا بالحق والعدل والصدق شاهدا به ﴿ليحكم﴾ أي : الله تعالى ﴿بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ أي : في الحق الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق ﴿وما اختلف فيه﴾ أي : في الحق ﴿إلا الذين أوتوه﴾ أي : الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف والتعبير عن الإنزال بالإيتاء للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما في تضاعيفه من الحق فإن الإنزال لا يفيد تلك الفائدة أي : عكسوا الأمر

329

جزء : 1 رقم الصفحة : 329

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٧٠