﴿سل﴾ أمر للرسول عليه السلام بالسؤال أو لكل أحد يصلح أن يخاطب ﴿بنى إسراءيل﴾ يعني هؤلاء الموجودين في عصرك من رؤساء بني إسرائيل ﴿كم ءاتيناهم﴾ أي : آتينا آبائهم وأسلافهم ﴿من ءايةا بينة﴾ أي : معجزة ظاهرة على أيدي أنبيائهم لا يخفى على المتفكر أنها من عند الله كالعصا واليد البيضاء وإنزال المن والسلوى وغيرها أو المراد آيات كتبهم الشاهدة على صحة دين الإسلام ، قوله : كم آتيناهم محل هذه الجملة النصب أو الخفض على أنها مفعول ثان للسؤال فإنه يتعدى إلى مفعولين إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرف الجر إما عن وإما الباء نحو سألته عن كذا وبكذا.
قال الله تعالى : ﴿الذى خلق السماوات﴾ (الفرقان : 59) وقد يحذف حرف الجر فمن ثمة جاز في محل كم النصب والخفض بحسب التقديرين وتمييزكم من آية بينة والأحسن إذا فصل بين كم ومميزها أن يؤتى بمن وهذا السؤال سؤال تقريع وتبكيت كما يسأل الكفرة يوم القيامة وتقرير لمجيء البينات فكم استفهامية خبرية وليس المراد حقيقة الاستفهام ﴿ومن يبدل﴾ التبديل تصيير الشيء على غير ما كان عليه أي : يغير ﴿وإذا طلقتم﴾ التي هي آياته الباهرة فإنها سبب للهدى الذي هو أجل النعم وتبديلهم إياها أن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم فكفروا بها وتركوا الشكر عليها ﴿منا بعد ما جآءته﴾ أي : من بعد ما وصلت إليه وتمكن من معرفتها والتصريح بذلك مع أن التبديل لا يتصور قيل المجيء للإشعار بأنهم قد بدلوها بعد ما وقفوا على تفاصيلها
327
﴿فإن الله شديد العقاب﴾ تعليل للجواب كأنه قيل ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة فإنه شديد العقوبة لمن بدل النعمة في الدنيا والآخرة وقد عاقبهم في الدنيا بالقتل وذلك في بني قريظة وبالإجلاء وذلك في بني النضير ويوم القيامة يعذبون في السعير ، قال ابن التمجيد : وتبديل النعمة جرم بغير علم ومع العلم أشد جرما ولذلك كان وعيد العلماء المقصرين أشد من الجاهلين بالأحكام لأن الجهل قد يعذر به وإن كان الاعتذار به غير مقبول في باب التكاليف.
جزء : 1 رقم الصفحة : 327
﴿زين للذين كفروا الحيواة الدنيا﴾ أي : حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرضين عن غيرها والتزيين من حيث الخلق والإيجاد مستند إلى الله تعالى إذ ما من شيء إلا وهو خالقه ، وكل من الشيطان والقوى الحيوانية وما في الدنيا من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض ﴿ويسخرون من الذين ءامنوا﴾ أي : يستهزئون بالفقراء من المؤمنين كعبد الله بن مسعود وعمار وصهيب وحبيب وبلال وغيرهم رضي الله تعالى عنهم ويسترذلونهم ويقولون : تركوا لذات الدنيا وعذبوا أنفسهم بالعبادات وفوتوا الراحات وكراماتها وهو عطف على زين ومن للابتداء فكأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم ﴿والذين اتقوا﴾ يعني أطاعوا الله واختاروا الفقر من المؤمنين وإنما ذكروا بعنوان التقوى للإيذان بأن إعراضهم عن الدنيا للاتقاء عنها لكونها مخلة بتبتلهم إلى جناب القدس شاغلة لهم وللإشارة إلى أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقي ﴿فوقهم يوم القيامة﴾ يعني فوق المشركين لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل سافلين فتكون الفوقية حقيقة أو لأنهم في أوج الكرامة وهم في حضيض الذل والمهانة فتكون الفوقية مجازا.
ويوم منصوب بالاستقرار الذي تعلق به فوقهم ﴿والله يرزق من يشآء﴾ أي : في الدارين ﴿بغير حساب﴾ كثير "بي اندازه" لأنه تعالى لا يخاف نفاد ما عنده لأنه غني لا نهاية لمقدوراته فالله تعالى يوسع بحسب الحكمة والمشيئة على عباده فمنهم من تكون التوسعة عليه استدراجا كهؤلاء الكفرة وقارون وأضرابهم ومنهم من تكون كرامة كأغنياء المؤمنين وسليمان وأمثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وقفت على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين ووقفت على باب النار فرأيت أكثر أهلها النساء" وإذا أهل الجسد محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد أمر به إلى النار ، قال الحافظ :
ازين رباط دودر ون ضرورتست رحيل
رواق وطاق معيشت ه سربلند وه ست
بهست ونست مرنجان ضمير وخوش دل باش
كه نيستست سرانجام هر كمال كه هست
ببال ور مرو ازره كه تير رتابي
هوا كرفت زماني ولي بخاك نشست
جزء : 1 رقم الصفحة : 327