روي أن محمد بن واسع تلا هذه الآية فقال : آه آه إلى أن فارق الدنيا ﴿وقضى الامر﴾ أي : أتم أمر إهلاكهم وفرغ منه وهو عطف على يأتيهم داخل في حيز الانتظار وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على الحقيقة فكأنه قد كان ﴿وإلى الله﴾ لا إلى غيره ﴿ترجع الامور﴾ أي : أمور الخلق وأعمالهم هو القاضي بينهم يوم القيامة والمثيب والمعاقب فينبغي للمؤمن أن يكون في جانب الانقياد ويحترز عن الهوى وخطوات الشيطان وعن النبي عليه السلام أنه قال : "إن الله تعالى أظهر الشكاية من أمتي" وقال : "إني طردت الشيطان لأجلهم فهم يعصونني ، ويطيعون الشيطان".
قال السعدي قدس سره :
كجا سر بر آريم ازين عاروننك
كه با او بصلحيم وباحق بجنبك
نظر دوست نادر كند سوى تو
ودر روى دشمن بود روى تو
تداني كه كمتر نهد دوست اي
وبيند كه دشمن بود در سراي
فمن أعظم الطاعات طرد الشيطان وأن يتهم النفس دائما ، كما روي أن رجلا صام أربعين سنة ثم دعا الحاجة ومع ذلك لم تجب دعوته وذم نفسه وقال : يا مأوى الشر ذلك من شرك فأوحى إلى نبي ذلك الزمان قل له إن قتلك لنفسك أحب إلي من صيام أربعين سنة.
قال السعدي :
جزء : 1 رقم الصفحة : 325
خورنده كه خيري بر آيد زدست
به از صائم الدهر دنيا برست
واعلم أن في قوله تعالى : يا اأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم} معنى عاما ومعنى خاصا فالعام خطاب عام مع جميع من آمن أي : ادخلوا في شرائط الإسلام في الباطن كما في الظاهر ومن شرائطه ما قال النبي عليه السلام : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس".
وأما المعنى الخاص فخطاب خاص مع شخص الإنسان وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل ، فالعين بالنظر ، والأذن بالسمع ، والفم بالأكل ، والفرج
326
بالشهوة ، واليد بالبطش ، والرجل بالمشي ودخول واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الحق ويجتنب نواهيه بل يترك ما لا يعنيه أصلا ويقع على ما لا بد له منه ، ودخول جميع أجزائه الظاهرة في شرائع الإسلام ميسر للمنافق ، فأما إدخال أجزائه الباطنة فمعركة أبطال الدين ومنزلة الرجال البالغين فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة وترك مألوفاتها واطمئنانها بالعبودية ليستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين به بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى : ﴿يا أيتها النفس المطماانة﴾ (الفجر : 27) الآية ، ودخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وتحليته بشمائل أخلاق الروح ، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الأحكام الأزلية وقطع النظر والتعلق عما سوى الله بتصرف جذبات الألوهية ، ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أي : لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الإباء والاستكبار فإنه ضد الإسلام ﴿إنه لكم عدو مبين﴾ لعداوته الغريزية لكم لاختلاف جبلته وجبلتكم وقصوره عن نور فطرتكم لكونه ناري الخلقة لا يطلب منكم إلا أن تكونوا ناريين مثله لا نوريين فهو عدو في الحقيقة في صورة المحب ﴿فإن زللتم﴾ أي : زلت أقدامكم عن صراط الإسلام الحقيقي ﴿منا بعد ما جآءتكم البينات﴾ دلائل تجليات أفعال الصفات ﴿فاعلموا أن الله عزيز﴾ فلعزته لا يهدي إليه كل ذليل دني الهمة قصير النظر ﴿حكيم﴾ يهدي من يشاء إلى سرادقات عزته ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ إلا أن يتجلى الله في ظل صفات قهرية من جملة تجليات الصفات الساترة لشمس الذات وهو ملائكة القوى السماوية ﴿وقضى﴾ في اللوح ﴿الامر﴾ أمر إهلاكهم ﴿وإلى الله ترجع الامور﴾ بالفناء كذا في "التأويلات النجمية".
جزء : 1 رقم الصفحة : 325