يا اأيها الذين ءامنوا} بألسنتهم على أن الخطاب للمنافقين ﴿ادخلوا في السلم كآفة﴾ أي : استسلموا الله تعالى وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا ، فالسلم بمعنى الاستسلام والطاعة وكافة حال من ضمير الفاعل في ادخلوا وهذه حال تؤكد معنى العموم في ضمير الجمع فإن قولك قام القوم كافة بمنزلة قاموا كلهم وتاء كافة وقاطبة وعامة ليست للتأنيث وإن كان أصلها أن تدل عليه بل إنما دخلت لمجرد كون الكلمة منقولة إلى معنى كل وجميع أو المعنى ادخلوا في الإسلام لكليته ولا تخلطوا به غيره فالخطاب لمؤمني أهل الكتاب فإنهم كانوا يراعون بعض أحكام دينهم القديم كما روي أن عبد الله بن سلام وأصحابه كانوا يتمسكون ببعض شرائع التوراة من تعظيم السبت وتحريم لحم الإبل وألبانها وأشياء كانوا يرون الكف عن ذلك مباحا في الإسلام وإن كان واجبا في شريعتهم فثبتوا على ذلك مع اعتقادهم حلها استيحاشا من مفارقة العادة وقالوا : يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقرأ منها في صلاتنا بالليل فقال عليه السلام : "لا تتمسكوا بشيء مما نسخ ودعوا ما ألفتموه ولا تستوحشوا من النزوع عنه" فإنه لا وحشة مع الحق وإنما هو من تزيين الشيطان.
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ جمع خطوة بالضم والسكون وهو ما بين القدمين أي : لا تسلكوا مسالكه ولا تطيعوه فيما دعاكم إليه من السبل الزائغة والوساوس الباطلة ﴿إنه لكم عدو مبين﴾ ظاهر العداوة يريد أن يفسد عليكم بهذه الوساوس إسلامكم.
جزء : 1 رقم الصفحة : 322
﴿فإن زللتم﴾ الزلل في الأصل عثرة القدم ثم يستعمل في العدول عن الاعتقاد الحق والعمل الصائب فالمعنى أخطأتم الحق وتعديتموه علما كان أو عملا.
﴿منا بعد ما جآءتكم البينات﴾ أي : الحجج والشواهد على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق.
﴿فاعلموا أن الله عزيز﴾ غالب على أمره لا يعجزه الانتقام منكم.
﴿حكيم﴾ لا ينتقم إلا بالحق ، وفي الآية تهديد بليغ لأهل الزلل عن الدخول في السلم فإن الوالد إذا قال لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي وبشدة سطوتي لأهل المخالفة يكون قوله هذا أبلغ في الزجر من ذكر الضرب وغيره وكما أنها مشتملة على الوعيد منبئة عن الوعد أيضا من حيث أنه تعالى اتبعه بقوله حكيم فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء فكما يحسن أن ينتظر من الحكيم تعذيب المسيء فكذلك ينتظر منه إكرام المحسن وإثابته بل هذا أليق بالحكمة وأقرب إلى الرحمة ﴿هل ينظرون﴾ استفهام في معنى النفي ونظر بمعنى انتظر أي : ينتظر من يترك الدخول في السلم ويتبع خطوات الشيطان ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ أي : إلا إتيان الله أي : عذابه على حذف المضاف لأن الله تعالى منزه عن المجيء والذهاب المستلزمين للحركة والسكون لأن كل ذلك محدث فيكون كل ما يصح عليه المجيء والذهاب محدثا مخلوقا له والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك ، وسئل علي رضي الله عنه : أين كان تعالى قبل خلق السموات والأرض؟ قال : أين سؤال عن المكان وكان الله تعالى ولا مكان وهو اليوم على ما كان ومذهب المتقدمين في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله لأنه لا يأمن في تعيين مراد
325
الله تعالى من الخطأ فالأولى السكوت ومذهب جمهور المتكلمين أن لا بد من التأويل على سبيل التفصيل ﴿في ظلل﴾ كائنة
جزء : 1 رقم الصفحة : 325
﴿من الغمام﴾ والظلل : جمع ظلة وهي ما أظلك والغمام السحاب الأبيض الرقيق سمي غماما لأنه يغم أي : يستر ولا يكون السحاب ظلة إلا إذا كان مجتمعا متراكما فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة تكون في غاية الكثافة والعظم وكل قطعة ظلة ﴿والملائكة﴾ أي : ويأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة.
وتلخيصه قد قامت الحجج فلم يبق إلا نزول العذاب ، فإن قلت : لم لم يأتهم العذاب في الغمام كما فعل بقوم يونس وقوم عاد وقوم شعيب؟ قلت : لأن الغمام مظنة الرحمة فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الخير أي : الغيث ومن ثمه اشتد على المتفكرين في كتاب الله تعالى قوله : ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ (الزمر : 47) فإن تفسيره على ما قالوا عملوا أعمالا حسبوها حسنات فإذا هي سيئات وذلك لتجويزهم أن يكون عملهم كذلك فيجيئهم الشر من حيث يتوقعون الخير فخافوا من ذلك.