﴿فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه﴾ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت حتى يرمي اليوم الثالث ثم ينفر ﴿ومن تأخر﴾ عن الخروج حتى رمى في اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده ثم يخرج إذا فرغ من رمي الجمار كما يفعل الناس الآن وهو مذهب الشافعي والإمامين ﴿فلا إثم عليه﴾ بترك الترخص والمعنى أنهم مخيرون بين التعجيل والتأخير ، فإن قلت أليس التأخير بأفضل؟ قلت : بلى ويجوز أن يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل وإنما أورد بنفي الإثم تصريحا بالرد على أهل الجاهلية حيث كانوا فريقين منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما فورد القرآن بنفي الإثم عنهما جميعا ﴿لمن اتقى﴾ خبر مبتدأ محذوف أي : الذي ذكر من التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لمن اتقى أي : مختص بمن اتقى المناهي لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به لأنه تعالى قال : ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ ومن كان ملوثا بالمعاصي قبل حجه وحين اشتغاله به لا ينفعه حجه وإن كان قد أدى الفرائض ظاهرا ﴿واتقوا الله﴾ أي : حال الاشتغال بأعمال الحج وبعده ليعتد بأعمالكم فإن المعاصي تأكل الحسنات عند الموازنة ﴿واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾ أي : تبعثون وتجمعون للجزاء على أعمالكم وهو تأكيد للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به فإن علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدواعي إلى ملازمة التقوى وكانوا إذا رجعوا من حجهم يجترئون على الله بالمعاصي فشدد في تحذيرهم.
قال أبو العالية : يجيء الحاج يوم القيامة ولا إثم عليه إذا اتقى فيما بقي من عمره فلم يرتكب ذنبا بعدما غفر له في الحج والمذنب المصر إذا حج فلا يقبل منه لعوده إلى ما كان عليه فعلامة الحج المبرور أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة فإذا
321
رجع من الحج المبرور رجع وذنبه مغفور ودعاؤه مستجاب فلذلك يستحب تلقيه بالسلام وطلب الاستغفار منه.
والحج المبرور مثل حج إبراهيم بن أدهم مع رفيقه الصالح الذي صحبه من بلخ فرجع من حجه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وخرج عن ملكه وماله وأهله وعشيرته وبلاده واختار بلاد الغربة وقنع بالأكل من عمل يده إما من الحصاد أو من نظارة البساتين ، قال بعضهم : الحر الكريم لا ينقض العهد القديم وإذا دعتك نفسك إلى نقض عهد مولاك فقل لها معاذ الله إن ربي أحسن مثواي ، وفي "المثنوى" :
جزء : 1 رقم الصفحة : 320
نقض ميثاق وشكست توبها
موجب لعنت شود در انتهاون ترازوى توك بودودغا
راست ون جويى ترازوي جزا
وعن بعضهم قدمت من الحج مع قوم فدعتني نفسي إلى أمر سوء فسمعت هاتفا ناحية البيت يقول : ويلك ألم تحج؟ ويلك ألم تحج فعصمني الله إلى الساعة ولا شك أن بعض الأعمال يكون حجابا للمرء إذا استند إليه واعتمد عليه.
حكي أن بعض الأتراك كان يلازم مجلس شيخ الإسلام أحمد النامقي الجامي قدس سره ويرى فوق قفاه نورا كالترس فاتفق له أن يحج فلما رجع زالت عنه تلك الحال فسأل الشيخ عن سببه فقال : إنك كنت قبل الحج صاحب تضرع ومسكنة والآن غرك حجك وأعطيت نفسك قدرا ومنزلة فلذا نزلت عن رتبتك ولم تر النور ، ومما يجب على الحاج اتقاؤه المحارم وأن لا يجعل نفقته من كسب حرام فإن الله لا يقبل إلا الطيب.
وحكي عن بعض من حج أنه توفي في الطريق في رجوعه فدفنه أصحابه ونسوا الفأس في قبره فنبشوه ليأخذوا الفأس فإذا عنقه ويداه قد جمعتا في حلقة الفأس فردوا عليه التراب ثم رجعوا إلى أهله فسألوهم عن حاله فقالوا : صحب رجلا فأخذ ماله فكان يحج منه وفي الحديث "من حج بيت الله من كسب الحلال لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها سبعين حسنة وحط عنه سبعين خطيئة ورفع له سبعين درجة" ذكره في "الخالصة" وإذا أراد أن يحج بمال حلال ليس فيه شبهة فإنه يستدين للحج ويقضي دينه من ماله.
وعن أبي القاسم الحكيم : أنه كان يأخذ جائزة السلطان فكان يستقرض لجميع حوائجه وما يأخذه من السلطان كان يقضي به ديونه ، وعن أبي يوسف قال هذا جواب أبيح في مثل هذا كذا في "خزانة الفتاوي".
جزء : 1 رقم الصفحة : 320