تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ أي : تستحسن ظاهر قوله وتعده حسنا مقبولا فإن الإعجاب استحسان الشيء والميل إليه والتعظيم له ، قال الراغب التعجب حيرة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء وحقيقة أعجبني كذا ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه ﴿في الحيواة الدنيا﴾ متعلق بالقول أي : يسرك ما يقوله في معنى الدنيا وحقها لأن دعواه محبتك إنما هو لطلب حظ من الدنيا فكلامه إذا في الدنيا لا في الآخرة أو يعجبك قوله في الدنيا بحلاوته وفصاحته لا في الآخرة لما أنه يظهر هناك كذبه وقبحه ﴿ويشهد الله على ما فى قلبه﴾ أي : يقول الله شاهد أن ما في قلبي من المحبة والإسلام موافق لما في لساني ﴿وهو ألد الخصام﴾ أي : أشد في العداوة والخصومة للمسلمين على أن الخصام مصدر كالقتال والجدال وإضافة الألد إليه بمعنى في.

واللدد شدة الخصومة ، نزلت في الأخنس بن شريف الثقفي وكان حسن المنظر حلو المنطق يوالي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويدعي الإسلام ودعوى

322

المحبة والخلوص بدون المواطأة من فعل الملاحدة والزنادقة والمحب لا يفعل إلا ما يحب محبوبه قال الشاعر :

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته

إن المحب لمن أحب مطيع

قال الحافظ :

بصدق كوش كه خورشيد زايد ازنفست

كه ازدروغ سيه روى كشت صبح نخست

جزء : 1 رقم الصفحة : 322

﴿وإذا تولى﴾ أي : أدبر وانصرف عن مجلسك أو إذا غلب وصار واليا ﴿سعى فى الأرض﴾ السعي سير سريع بالأقدام وقد يستعار للجد في العمل والكسب وإنما جيء بقوله في الأرض مع أن السعي على كلا المعنيين لا يكون إلا في الأرض للدلالة على كثرة فساده فإن لفظ الأرض عام يتناول جميع أجزائها وعموم الظرف يستلزم عموم المظروف فكأنه قيل أي : مكان حل فيه من الأرض أفسد فيه فيلزم كثرة فساده ﴿ليفسد فيها﴾ علة لسعي ﴿ويهلك﴾ الإهلاك الإضاعة ﴿الحرث﴾ أي : الزرع ﴿والنسل﴾ ما خرج من كل أنثى من أجناس الحيوان يقال نسل ينسل إذا خرج منفصلا والحرث والنسل وإن كانا في الأصل مصدرين فالمراد بهما ههنا معنى المفعول فإن الولد نسل أبويه أي : مخرج منفصل منهما وذلك كما فعله الأخنس بثقيف إذ بيتهم أي : أتاهم ليلا وأهلك مواشيهم وزرعهم لأنه كان بينه وبينهم عداوة أو كما يفعله ولاة السوء بالقتل والإتلاف أو بالظلم حتى يمنع الله بشؤمه القطر فيهلك الحرث والنسل وفي الحديث "لما خلق الله تعالى أسباب المعيشة جعل البركة في الحرث والنسل" فإهلاكهما غاية الإفساد وفي الحديث "يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجة لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه فإن كان مطيعافي عمله مضى وإن كان عاصيا انخرق به الجسر فيهوي به في جهنم مقدار خمسين عاما" ﴿والله لا يحب الفساد﴾ أي : لا يرتضيه ويبغضه ويغضب على من يتعاطاه ، فإن قيل : كيف حكم الله تعالى بأنه لا يحب الفساد وهو بنفسه مفسد للأشياء؟ قيل : الإفساد في الحقيقة إخراج الشيء من حالة محمودة لا لغرض صحيح وذلك غير موجود في فعل الله تعالى ولا هو آمر به ولا محب له وما نراه من فعله ونظنه بظاهره فسادا فهو بالإضافة إلينا واعتبارنا له كذلك فأما النظر الإلهي فكله صلاح.

﴿وإذا قيل له﴾ أي : لهذا المنافق والمفسد على نهج العظة والنصيحة ﴿اتق الله﴾ خف من الله في صنعك السوء واترك ما تباشره من الفساد والنفاق ﴿أخذته العزة بالاثم﴾ أي : حملته الأنفة التي فيها وحميته الجاهلية على الإثم والذنب الذي نهى عنه أو على رد قول الواعظ لجاجا وعنادا من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه فالباء للتعدية وصلة الفعل الذي قبلها ﴿فحسبه جهنم﴾ مبتدأ وخبر أي : كافيه دخول النار والخلود فيها على ما عمله وهو وعيد شديد ﴿ولبئس المهاد﴾ أي : والله لبئس الفراش جهنم.

قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه من أكبر الذنب عند الله أن يقال للعبد اتقق الله فيقول عليك نفسك ، وقيل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اتقق الله فوضع خده على الأرض تواضعاتعالى ، ثم إنه تعالى لما وصف في الآية المتقدمة حال من يبذل دينه لطلب الدنيا ذكر

323

في هذه الآية من يبذل دنياه ونفسه لطلب الدين وما عند الله يوم الدين فقال :

جزء : 1 رقم الصفحة : 322

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٦٥