﴿أو أشد ذكرا﴾ مجرور معطوف على الذكر بجعله ذاكرا على المجاز أي : اذكروه ذكرا كان مثل ذكركم المتعلق بآبائكم أو كذكر هو أشد منه وأبلغ ذكرا أو تحقيقه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك وجهك أحسن وجه أي : أحسن الوجوه فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقولك زيد أفره عبدا فالفراهة للعبد لا لزيد والمذكور قبل أشد هنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال أشد ذكرا إنما قياسه أن يقال للذكر أشد ذكر جرا إضافة فوجه النصب أنه يجعل الذكر ذاكرا مجازا ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه ﴿فمن الناس﴾ أي : من الذين يشهدون الحج ﴿من يقول﴾ في ذكره مقتصرا على طلب الدنيا ﴿ومنهم من يقول ربنآ﴾ أي : إيتاءنا ومنحتنا في الدنيا خاصة من الجاه والغنى والنصرة على الأعداء وما هو من الحظوظ العاجلة وهم المشركون لأنهم لا يسألون في حجهم إلا الدنيا ﴿وما له فى الاخرة من خلاق﴾ أي : نصيب وحظ لأن همه مقصور على الدنيا حيث سأل في أعز المواقف أحقر المطالب وأعرض عن سؤال النعيم الدائم والملك العظيم ﴿ومنهم﴾ أي : من الذين يشهدون الحج ﴿من يقول﴾ في ذكره طالبا خير الدارين ﴿ومنهم من يقول ربنآ ءاتنا﴾ هي الصحة والكفاف والتوفيق للخير.
وفي "التيسير" : الحسنة جامعة لكل الخيرات في الدارين.
﴿وفي الاخرة حسنة﴾ هي الثواب والرحمة.
قال الشيخ أبو القاسم الحكيم : حسنة الدنيا عيش على سعادة وموت على شهادة وحسنة الآخرة : بعث من القبر على بشارة وجواز على الصراط على سلامة.
﴿وقنا﴾ أي : احفظنا ﴿عذاب النار﴾ بالعفو والمغفرة ، وعن علي كرم الله وجهه إن الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء وعذاب النار المرأة السوء.
قال السعدي :
جزء : 1 رقم الصفحة : 319
ومستور بأشد زن خوب روي
ديدار اودر بهشتست شوي
وتلخيصه : أكثروا ذكر الله وسلوه سعادتكم في داريه وترك ذكر من قصر دعاءه على طلب الآخرة فقط لأن طالب الآخرة فقط بحيث لا يحتاج إلى طلب حسنة من الدنيا لا يوجد في الدنيا ﴿أوالائك﴾ إشارة إلى الفريق الثاني وهم الداعون بالحسنتين لأنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول بقوله : ﴿وما له فى الاخرة من خلاق﴾ ﴿لهم نصيب مما كسبوا﴾ من للتبعيض أي : لهم
319
نصيب عظيم كائن من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة أو من أجل ما كسبوا لأنهم استحقوا ذلك الثواب الحسن بسبب آمالهم الحسنة ومن أجلها فتكون من ابتدائية لأن العلة مبدأ الحكم ثم أومأ إلى قدرته محذرا من الموت وحاثا على أعمال الخير بقوله : ﴿والله سريع الحساب﴾ والحساب يراد به نفس الجزاء على الأعمال فإن الحساب سبب للأخذ والعطاء وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز شائع أي : يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة لعدم احتياجه إلى عقد يد أو وعي صدر أو نظر وفكر فاحذروا من الإخلال بطاعة من هذا شأن قدرته أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس.
وفي خطبة بعض المتقدمين ولت الدنيا حذاء ولم يبق إلا صابة كصبابة الإناء فليبادر المؤمن إلى الطاعات واكتساب الحسنات والذكر في كل الحالات.
قال الحسن البصري : اذكروني بما يذكر الصغير أباه فإنه أول ما يتكلم يقول يا أب يا أب ، فعلى كل مسلم أن يقول يا رب يا رب وعن النبي عليه السلام : "أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك" ثم نقر بيده فقال : "هكذا عجلت منيته قلت بواكيه قل ثراؤه" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
جزء : 1 رقم الصفحة : 319