تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أن الله تعالى يباهي ملائكته بأهل عرفات ويقول : "انظروا إلى عبادي جاؤوا من كل فج عميق شعثا غبرا اشهدوا أني غفرت لهم" ويروى أن الشيطان ما رؤي في يوم هو أصغر وأحقر وأذل منه يوم عرفة وما ذلك إلا بما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إذ يقال إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة وفي الحديث "أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن الله تعالى لا يغفر له" والحجة الواحدة أفضل من عشرين غزوة في سبيل الله.

وقيل : إن البعير إذا حج عليه مرة بورك في أربعين من أمهاته وإذا حج عليه سبع مرات كان حقا على الله أن يرعاه في رياض الجنة ومصداق ذلك ما قال النهراني رحمه الله : بلغني أن وقاد تنور حمام أتى بسلسلة عظام حمل ليوقدها قال : فألقيتها في المستوقد فخرجت منه فألقيتها فعادت فخرجت فعدت فألقيتها الثالثة فعادت فخرجت بشدة حتى وقعت في صدري وإذا بصوت هاتف يقول : ويحك هذه عظام جمل قد سعى إلى مكة عشر مرات كيف تحرقها بالنار وإذا كانت هذه الرأفة والرحمة بمطية الحاج فكيف به؟ ثم إن الفضل على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أحوال العبد فإن التنوع راجع إلى تغيير أحوال العباد لا إلى تغيير صفة من صفات الحق تعالى.

فالأول منها ما يتعلق بالمعاش الإنساني من المال والجاه ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا الفضل مفسر بالرزق قال الله تعالى : ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ (الجمعة : 10) ، والثاني : منها ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد وهو نوعان ما يتعلق بأعمال البدن على وفق الشرع ومتابعة الشارع ومجانبة طريق الشيطان المنازع قال تعالى : ﴿يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾ (الحشر : 8) وما يتعلق بأعمال القلب وتزكية النفس قال تعالى : ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا﴾ (النور : 21) ، والقسم الثالث منها ما يتعلق بالله تعالى وهو نوعان ما يتعلق بمواهب القربة قال تعالى : ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾ (الأحزاب : 47) أي : قربا كبيرا فإنه أكبر من الدنيا والآخرة وما يتعلق بمواهب الوصلة قال تعالى : ﴿ذالك فضل الله يؤتيه من يشآءا والله ذو الفضل العظيم﴾ (

جزء : 1 رقم الصفحة : 316

الجمعة : 4) يعني فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل ولكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة مقام في الابتغاء ، أما الذي يتعلق بالمصالح الأخروية وهو فضل الرحمة فمقام ابتغائه بترك الموجود وبذل المجهود وهو في السير إلى عرفات ، وأما الذي يتعلق بالله وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه عند الوقوف بعرفات وعرفات إشارة إلى المعرفة وهي معظم أركان الوصلة ، وأما الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية وهو فضل الرزق فمقام ابتغائه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة ، ففي الآية تقديم وتأخير أي : إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم إلخ وذلك لأن حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها ، وفي الوسط التوكل والتفريد ، وفي النهاية المعرفة والتوحيد فلا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية إلا لأهل النهاية لقوتهم في المعرفة وعلو همتهم بأن يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنيوية ويملأها نورا بالألطاف الخفية فلا اعتبار للدنيا وشهواتها أو نعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العالية فلا يتصرفون في شيء منها وتصرفهم بالله وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لصالح الدين وإصابة الخير إلى الغير كذا في "التأويلات النجمية" ، قال في "المثنوي" :

318

كاراكاثرا قياس ازخودمكير

كره ماند در نوشتن شير شير

اللهم اجعل هممنا مقصورة على جنابك آمين.

جزء : 1 رقم الصفحة : 316

﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ أي : أتممتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج وفرغتم منها ﴿فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم﴾ يعني فاتركوا عادة الجاهلية واتبعوا سنن الإسلام واشتغلوا بذكر رب الأنام وكانت العرب إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل ويذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم يريد كل واحد منهم بذلك حصول الشهرة والترفع له بمآثر سلفه فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بأن يجعلوا بدل ذكرهم آباءهم ذكر الله تعالى وتمجيده والثناء عليه إذ الخير كله من عنده وآباؤهم عبيده ونالوا ما نالوا بأفضاله ، قال السعدي قدس سره :

كراز حق نه توفيق خيري رسد

كي ازبنده خيري بغيري رسد

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٦١