﴿عند المشعر الحرام﴾ للتنبيه على أن الوقوف فيما يقرب من جبل قزح أفضل من الوقوف في سائر مواضع أرض مزدلفة وذلك لا ينافي صحة الوقوف في جميع مواضعها كما أن عرفات كلها موضع الوقوف لكن الوقوف بقرب جبل الرحمة أفضل وأولى والمشعر العلم أي : للعبادة.
والشعائر العلامات من الشعار وهو العلامة ووصفه بالحرام لحرمته فلا يفعل فيه ما نهى عنه ﴿واذكروه كما هداكم﴾ أي : كما علمكم كيف تذكرونه مثل كون الذكر ذكرا كثيرا وعلى وجه التضرع والخيفة والطمع ناشئا عن الرغبة والرهبة ومشاهدة جلال المذكور وجماله كما قال عليه السلام : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فالمقصود من الكاف مجرد التقييد لا التشبيه أي : اذكروه على الوجه الذي هداكم إليه لا تعدلوا عما هديتم إليه كما تقول افعل كما علمتك وليس هذا تكرارا لقوله : ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ لأن الأول لبيان محل الذكر والوقوف وتعليم النسك المناسك لذلك المحل وأوجب بالثاني أن يكون ذكرنا أباه كهدايته إيانا أي : موازيا لها في الكم والكيف ﴿وإن﴾ هي المخففة واللام هي الفارقة ﴿كنتم من قبله﴾ أي : من قبل ما ذكر من هدايته إياكم ﴿لمن الضآلين﴾ غير العالمين بالإيمان والطاعة.
قال القاشاني : إن الله تعالى هدى أولا إلى الذكر باللسان في مقام النفس.
ثم إلى الذكر بالقلب وهو ذكر الأفعال أي : تصور آلاء الله ونعمائه ثم إلى ذكر السر وهو معاينة الأفعال ومكاشفة علوم تجليات الصفات.
ثم إلى ذكر الروح وهو مشاهدة أنوار تجليات الصفات مع ملاحظة نور الذات ، ثم إلى ذكر الخفي وهو مشاهدة جمال الذات مع بقاء الاثنينية ، ثم إلى ذكر الذات وهو الشهود الذاتي بارتفاع البعد وإن كنتم من قبل الهدي إلى هذه المقامات لمن الضالين عن طريق هذه الأذكار انتهى.
ولما أمر بذكر الله تعالى إذا فعلت الإفاضة أمر بأن تكون الإفاضة من حيث أفاض الناس مرتبا الأمر الثاني على الأول بكلمة ثم ، فقال :
﴿ثم أفيضوا﴾ أي : ارجعوا ﴿من حيث أفاض الناس﴾ أي : من عرفة لا من المزدلفة كانت قريش وحلفاؤها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون : نحن أهل الله وسكان حرمه فلا نخرج من الحرم ويستعظمون أن يقفوا مع الناس بعرفات لكونها من الحل وسائر العرب كانوا يقفون بعرفات اتباعا لملة إبراهيم عليه السلام فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فأنزل الله هذه الآية فأمرهم أن يقفوا بعرفات وأن يفيضوا منها كما يفعله سائر الناس والمراد بالناس العرب كلهم غير الحمس.
والحمس في الأصل جمع أحمس وهو الرجل الشجاع والأحمس أيضا الشديد الصلب في الدين والقتال وسميت قريش وكنانة وجديلة وقيس حمسا لتشددهم في دينهم وكانوا لا يستظلون أيام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها وكذلك كان من حالفهم أو تزوج منهم ﴿واستغفروا الله﴾ من جاهليتكم في تغيير المناسك ومخالفتكم
317
في الموقف ﴿إن الله غفور رحيم﴾ يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه فأمر النبي عليه السلام أبا بكر رضي الله تعالى عنه أن يخرج بالناس جميعا إلى عرفات فيقف بها.
جزء : 1 رقم الصفحة : 316