ثم الإشارة أن قصد القاصدين إلى الله تعالى إنما يكون في أشهر معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا فأما بعد انقضاء الآجال فلا يفيد لأحد السعي كما لا ينفع للحاج القصد بعد مضي أشهر الحج قال تعالى : ﴿يوم يأتى بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾ (الأنعام : 158) الآية وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها فكذلك للقاصدين إلى الله ميقات وهي أيام الشباب من بلاغية الصورة إلى بلوغ الأربعين وهو حد بلاغية المعنى قال تعالى : ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة﴾ (الأحقاف : 15) ولهذا قال المشايخ الصوفي بعد الأربعين نادر يعني إن كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين فوصوله إلى المقصد الحقيقي يكون نادرا مع أركانه ولكن من يكون طلبه وصدقه في الإرادة قبل الأربعين وما أمكنته الوصلة يقرب في الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده ومن فاته أوان الطلب في عنفوان شبابه مستبعدة له الوصلة في حال مشيبه فجرى منه عليه الحيف بأن ضيع اللبن في الصيف ولكن يصلح للعبادة التي آخرها الجنة ووقف بعض المشايخ على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول هؤلاء حشو الجنة وللمجالسة أقوام آخرون كذا في "التأويلات النجمية".
وقال القاشاني : وقت الحج أزمنة وهو من وقت بلوغ الحلم إلى الأربعين ثلاثة أعصر كل عصر بمثابة شهر ، عصر من سن النمو ، وعصر من سر الوقوف ، وبعض من سن الكهولة كما قال تعالى في وصف البقرة ﴿لا فارض ولا بكر عوان﴾ (البقرة : 68) بين ذلك انتهى ، قال الحافظ :
عشق وشباب ورندى مجموعه مرادست
ون جمع شد معاني كوى بيان توان زد
جزء : 1 رقم الصفحة : 313
﴿ليس عليكم جناح﴾ أي : إثم من الجنوح وهو الميل عن القصد ﴿أن تبتغوا﴾ أي : في أن تقصدوا وتطلبوا ﴿فضلا من ربكم﴾ أي : عطاء ورزقا منه يريد الربح بالتجارة في أيام الحج فإن الآية نزلت ردا على من يقول لا حج للتاجر والجمال لكن الحق أن التجارة وإن كانت مباحة في الحج إلا أن الأولى تركها فيه لقوله تعالى : ﴿ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه طاعة وعبادة ﴿فإذآ أفضتم من عرفات﴾ الهمزة في أفضتم للتعدية والمفعول محذوف أي : رفعتم أنفسكم منها بكثرة بعد غروب الشمس ورجعتم بعد الوقوف بها.
وفي "التيسير" : وحقيقة الإفاضة هنا هو اجتماع الكثير في الذهاب والمسير ، وعرفات علم للموقف وليس بجمع حقيقة بل هو من قبيل ما زيدت حروفه لزيادة معناه فإنه للمبالغة في الإنباء عن المعرفة روي أنه نعته جبريل لإبراهيم عليهما السلام فلما أبصره عرفه فسمي ذلك الموضع عرفات أو لأن جبريل عليه الصلاة والسلام كان يدور به في المشاعر أي : مواضع المناسك ويقول : عرفت فيقول : عرفت فلما رآه قال : عرفت أو لأن آدم عليه الصلاة والسلام لما أهبط إلى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه
316
فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا أو لغير ذلك كما ذكر في التفاسير.
وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفات لأن الإضافة مأمور بها وهي موقوفة على الحضور فيها والوقوف بها وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب فيكون الوقوف واجبا ﴿فاذكروا الله﴾ بالتلبية والتهليل والتسبيح والتحميد والثناء والدعوات ﴿عند المشعر الحرام﴾ قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعلى الميقدة.
وفي المغرب "الميقدة" : هو موضع بالمشعر الحرام على قزح كان أهل الجاهلية يوقدون عليها النار وتقييد محل الذكر والوقوف بقوله :
جزء : 1 رقم الصفحة : 316