تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مكان الفسوق والوفاق والأخلاق الجميلة مكان الجدال ﴿وتزودوا﴾ أي : اجعلوا زادكم لمعادكم وآخرتكم اتقاء القبائح ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾ لا ما يتخذ من الطعام وتحقيق الكلام أن الإنسان له سفران : سفر في الدنيا ، وسفر من الدنيا ، فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد وهو الطعام والشراب والمركب والمال والسفر من الدنيا لا بد له أيضا من زاد وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه بالاشتغال في طاعته والاجتناب عن مخالفته ومناهيه وهذا الزاد خير من زاد المسافر في الدنيا لأن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم وزاد الدنيا فانن وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة.

وقيل : كان أهل اليمن لا يتزودون ويخرجون بغير زاد ويقولون : نحن متوكلون ونحن نحج بيت الله أفلا يطعمنا فيكون كلا على الناس وإذا قدموا مكة سألوا الناس وربما يفضي بهم الحال إلى النهب والغصب فقال الله تعالى : أي : ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم من الكعك والزيت والسويق والتمر ونحوها واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾ من السؤال والنهب ﴿واتقون يا اأولي الالباب﴾ فإن قضية اللب خشية الله وتقواه حثهم على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله فيتبرؤوا عن كل شيء سواه وهو مقتضى العقل المعرى عن شوائب الهوى فلذلك خص أولي الألباب بالخطاب فإن من لم يتقه فكأنه لا لب له.

فعلى العاقل تخليص العقل من الشوائب وتهذيب النفس وتكميلها بالوصول إلى أعلى المراتب ، قال الشاعر :

جزء : 1 رقم الصفحة : 313

ولم أر في عيوب الناس شيئا

كنقص القادرين على التمام قال الإمام : اعلم أن الإنسان فيه قوى ثلاث : قوة شهوانية بهيمية ، وقوة غضبية سبعية شيطانية ، وقوة وهمية عقلية ملكية والمقصود من جميع العبارات قهر القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية فقوله : ﴿فلا رفث﴾ إشارة إلى قهر القوة الشهوانية وقوله : ﴿ولا فسوق﴾ إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب المعصية والتمدد وقوله : ﴿ولا جدال﴾ إشارة إلى قهر القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه وهي الباعثة للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم والمخاصمة معهم في كل شيء فلما كان الشر محصورا في هذه الأمور الثلاثة لا جرم قال : ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ أي : فيمن قصد معرفة الله ومحبته والاطلاع على نور جلاله والانخراط في سلك الخواص من عباده انتهى ما قال الإمام.

قالوا : من سهل عليه المشي في طريق الحج فهو الأفضل فإن كان يضعف ويؤدي ذلك إلى سوء الخلق وقصور عن عمل فالركوب أفضل كما أن الصوم أفضل للمسافر والمريض ما لم يفض إلى ضعف وسوء خلق.

قال أبو جعفر محمد الباقر ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يأت بثلاث : ورع يحجزه عن محارم الله ، وحلم يكف به غضبه ، وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاث يحتاج إليها المسافر خصوصا إلى الحج فمن كملها فقد كمل حجه وإلا فلا ، فنعم ما قال السعدي قدس سره :

ازمن بكوى حاجىء مردم كزايرا

كويوستين خلق بآزار ميدرد

حاجي تونيستي شترست ازبراي آنك

بيار خار ميخورد وبار ميبرد

315

فينبغي أن يجتهد الحاج قبل مفارقة رفيقه والجمال في أن يتحالوا من الظالم إن كانت جرت بينهم مثل غيبة ونميمة أو أخذ عرض أو تعرض لمال فما سلم من ذلك إلا القليل وإذا ذكر رفيقه فليثن عليه خيرا وليغض عما سوى ذلك فقد كان السلف بعد قفولهم أي : رجوعهم من السفر لا يذكر أحدهم صاحبه إلا بخير وليحذر من نظفت صحيفة علمه من الذنوب بالغفران أن يرجع إلى وسخ المعاصي.

جزء : 1 رقم الصفحة : 313

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٥٨