تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فما استيسر من الهدى﴾ أي : فعليه دم تيسر عليه بسبب التمتع وهو هدي المتعة وهو نسك عند أبي حنيفة رحمه الله لا يذبحه إلا يوم النحر ويأكل منه كالأضحية ﴿فمن لم يجد﴾ أي : الهدي ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ صيام مصدر أضيف إلى ظرفه معنى وهو في اللفظ مفعول به على الاتساع أي : فعليه صيام ثلاثة أيام ﴿في الحج﴾ أي : في وقته وأشهره بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج إن شاء متفرقة وإن شاء متتابعة والأحب أن يصوم سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه فلا يصح يوم النحر وأيام التشريق ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ أي نفرتم وفرغتم من أعمال الحج أطلق عليه الرجوع على طريق إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب الخاص وهو النفر والفراغ فإنه سبب للرجوع ﴿تلك﴾ أي : صيام ثلاثة وسبعة ﴿عشرة﴾ فذلكة الحساب وفائدتها أن لا يتوهم أن الواو بمعنى أو كما في قوله تعالى : ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ (النساء : 3) وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا وعلمان خير من علم فإن أكثر العرب لا يحسنون الحساب فكان الرجل إذا خاطب صاحبه بأعداد متفرقة جمعها له ليسرع فهمه إليها وإن المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما ﴿كاملة﴾ صفة مؤكدة لعشرة فإن الوصف قد يكون للتأكيد إذا أفاد الموصوف معنى ذلك الوصف نحو إلهين اثنين والتأكيد إنما يصار إليه إذا كان الحكم المؤكد مما يهتم بشأنه والمحافظة عليه والمؤكد ههنا هو رعاية هذا العدد في هذا الصوم آكده لبيان أن رعايته من المهمات التي لا يجوز إهمالها البتة ﴿ذالك﴾ إشارة إلى نفس التمتع عندنا وإلى حكم التمتع عند الشافعي وهو لزوم الهدي لمن يجده من المتمتع ولزوم بدله لمن لا يجده ﴿لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾ أي : لازم للذي لا يسكن مكة وأهل الرجل أخص الناس إليه وإنما ذكر الأهل لأن الغالب أن الإنسان يسكن حيث يسكن أهله فعبر بسكون الأهل عن سكون نفسه وحاضرو المسجد الحرام عندنا هم أهل مكة ومن كان منزله داخل المواقيت فلا متعة ولا قران لهم فمن تمتع أو قرن منهم فعليه دم جناية لا يأكل منه وحاضرو المسجد الحرام ينبغي لهم أن يعتمروا في غير أشهر الحج ويفرد وأشهر الحج للحج والقارن والمتمتع الآفاقيان دمهما دم نسك يأكلان منه وعند الشافعي حاضرو المسجد الحرام أهل الحرم ومن هو على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ﴿واتقوا الله﴾ في المحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصا في الحج ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ لمن لم يتقه كي يصدكم العلم به عن العصيان.

قال السعدي قدس سره :

جزء : 1 رقم الصفحة : 308

مرو زير باركنه أي سر

كه حمال عاجز بود در سفر

توبيش ازعقوبت درعفو كوب

كه سودى ندارد فغان زير جوب

اعلم أن تمام الحج كما يكون عن طريق الظاهر كذلك يكون عن طريق الباطن.

وعن بعض الصالحين أنه حج فلما قضي نسكه قال لصاحبه : هلم نتم حجنا ألم تسمع قول ذي الرمة.

312

تمام الحج أن تقف المطايا

على خرفاء واضعة اللثام

وخرقاء اسم حبيبة الشاعر واضعة اللثام أي : مكشوفة الوجه مسفرة جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلا به وحقيقة ما قال هو أنه كما قطع البوادي حتى وصل إلى بيته وحرمه ينبغي أن يقطع أهواء النفس ويخرق حجب القلب حتى يصل إلى مقام المشاهدة ويبصر آثار كرمه بعد الرجوع عن حرمه.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٥٥