قال في "التأويلات النجمية" : حج العوام قصد البيت وزيارته وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده كما قال الخليل عليه السلام : إني ذاهب إلى ربي سيهدين وكما أن من قصد الله وطلبه وتوجه إليه بالكلية وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما سواه عدوا كما قال : ﴿فإنهم عدو لى إلا رب العالمين﴾ (الشعراء : 77) كان الخليل عليه الصلاة والسلام وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي فلذلك جعله الله أول من بنى بيت الله وطاف وحج وأذن في الناس بالحج وسن المناسك وكان الحج صورة ومعنى مقامه عليه السلام وكما كان له مقام كان لنبينا عليه السلام حال والحال أتم من المقام لأن المقامات من المنازل والأحوال من المواهب فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات فلما كان الخليل من أهل المقامات قال : ﴿إنى ذاهب إلى ربى سيهدين﴾ (الصافات : 99) ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام من أهل المذاهب قيل : ﴿سبحان الذى أسرى بعبده﴾ (الإسراء : 1) فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة واحصر فقيل له : ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ فأهدي بإسمعيل ولما أسري بالنبي عليه السلام وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء فقيل له : ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ فأتم حجه بأن دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم أتى عمرته بأن تجلى له أقمار المقصود عن كشف التعزز بالشهود وانجلت عنانة المحبة عن شموس الوصلة وجرى بين المحبين ما جرى فأوحى إلى عبده ما أوحى ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والإكمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع وهو آخر الحجات اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا انتهى ما في "التأويلات".
جزء : 1 رقم الصفحة : 308
ثم اعلم أن كل قلب لا يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب ولا كل نفيس مال يصلح لخزانة الرب فتعجل أيها العبد في تدارك حالك وكن سخيا بمالك فإن لم يكن فبنفسك وإن كان لك قدرة على بذلهما فبهما ألا يرى أن إبراهيم عليه السلام كيف أعطى ماله للضيفان وبدنه للنيران وولده للقربان وقلبه للرحمان حتى تعجب الملائكة من سخاوته فأكرمه الله بالخلة قال الله تعالى : ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ .
قال مالك بن دينار : خرجت إلى مكة فرأيت في الطريق شابا إذا جن عليه الليل رفع وجهه نحو السماء وقال : يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصي هب لي ما يسرك واغفر لي ما لا يضرك فلما أحرم الناس ولبوا قلت له لم لا تلبي فقال : يا شيخ وما تغني التلبية عن الذنوب المتقدمة والجرائم المكتوبة والمعاصي السالفة أخشى أن أقول لبيك فيقال لي لا لبيك ولا سعديك لا أسمع كلامك ولا أنظر إليك ثم مضى فما رأيته إلا بمنى وهو يقول : اللهم اغفر لي اللهم إن الناس قد ذبحوا وتقربوا إليك وليس لي شيء أتقرب به إليك سوى نفسي فتقبلها مني ثم شهق شهقة وخر ميتا اللهم عاملنا بكمال كرمك وأوصلنا إلى حضرتك العليا وحرمك.
جزء : 1 رقم الصفحة : 308
﴿الحج﴾ بحذف المضاف أي : وقته لأن الحج فعل
313