روي أن الحجاج لما ولي العراق كان يطعم في كل يوم على ألف مائدة يجمع على كل مائدة عشر أنفس وكان يرسل الرسل إلى الناس لحضور الطعام فكثر عليه ذلك فقال : أيها الناس رسولي إليكم الشمس إذا طلعت فأحضروا للغداء وإذا غربت فأحضروا للعشاء فكانوا يفعلون ذلك واستقل الناس يوما فقال : ما بال الناس قد قلوا؟ فقال رجل : أيها الأمير إنك أغنيت الناس في بيوتهم عن الحضور إلى مائدتك فأعجبه ذلك وقال : اجلس بارك الله عليك هذا كرم الحجاج وإحسانه إلى الخلق مع كونه أظلم أهل زمانه ، قال السعدي قدس سره :
كرم كن كه فردا كه ديوان نهند
منازل بمقدار إحسان نهند
وحكى الهدائي قال : أقبل ركب من بني أسد ومن قيس يريدون النعمان فلقوا حاتما وهو المشهور بالجود فقالوا : تركنا قوما يثنون عليك خيرا وقد أرسلوا إليك رسالة فقال : ما هي؟ فأنشد الأسديون شعرا للنابغة فيه فلما أنشده قالوا : إنا نستحيي أن نسألك شيئا وإن لنا لحاجة قال : ما هي؟ قالوا : صاحب لنا قد أرجل يعني فقدت راحلته فقال حاتم : فرسي هذه فاحملوه عليها فأخذوها وربطت الجارية فلوها بثوبها فأفلت يتبع أمه وتبعته الجارية لترده فصاح حاتم ما يتبعكم فهو لكم فذهبوا بالفرس والفلو والجارية كذا في "شرح رسالة ابن زيدون الوزير" قيل لما عرج النبي عليه السلام اطلع على النار فرأى حظيرة فيه رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام : ما بال هذا الرجل في هذه الحظيرة لا تمسه النار؟ فقال جبريل عليه السلام : هذا حاتم طي صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كذا في "أنيس الوحدة وجليس الخلوة" وفي الأحاديث القدسية "يا عيسى أتريد أن تطير على السماء مع الملائكة المقربين كن في الشفقة كالشمس وفي الستر كالليل وفي التواضع كالأرض وفي الحلم كالميت وفي السخاوة كالنهر الجاري".
قال بعض أهل الحقيقة وهو حسن جدا ﴿وأنفقوا فى سبيل الله﴾ أرواحكم
309
﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ بمنعكم أنفسكم عن الشهادة ﴿في سبيل الله﴾ التي هي الحياة الأبدية فتهلكوا يعني بفوت هذه الحياة وأحسنوا تسليم أنفسكم إلى الله فقد اشتراها منكم ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ .
وفي "المثنوي" :
مرك بي مركى بود مارا حلال
برك بي بركى بود مارا نوال
جزء : 1 رقم الصفحة : 308
ظاهرش مرك وبباطن زندكى
ظاهرش ابتر نهان ايندكى
ون مرا سوى أجل عشق وهواست
نهى لا تلقوا بأيديكم مراست
زانكه نهى ازدانة شرين بود
تلخ را خود نهى حاجت كي شود
دانه كشه تلخ باشد مغز ووست
تلخي ومكروهيش خودنهى اوست
دانه مردن مرا شرين شده است
بل هم أحياء ي من آمده است
قال في "التأويلات النجمية" : ﴿وأنفقوا فى سبيل الله﴾ بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ بالامتناع عن تسليم المبيع فتهلكوا بمنع الثمن وهو الجنة وبإفراط الاعتداء وتفريطه في جهاد النفس بالإفراط بأن يبرز واحد على رهط وبالتفريط بأن يفر واحد من اثنين في جهاد الكفار ﴿وأحسنوا﴾ مع نفوسكم بوقايتها من نار الشهوات ومع قلوبكم برعايتها وحفظها من رين الغفلات ومع أرواحكم بحمايتها عن حجب التعلقات ومع أسراركم بكلاءتها عن ملاحظة المكونات ومع الخلق بدفع الأذيات واتصال الخيرات ومع الله بالعبودية في المأمورات والمنهيات والصبر على المضرات والبليات والشكر على النعم والمسرات والتوكل عليه في جميع الحالات وتفويض الأمور إليه في الجزئيات والكليات والتسليم للأحكام الأزليات والرضى بالأقضية الأوليات والفناء عن الإرادات المحدثات في إرادته القديمة بالذات ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ الذين هم في العبادة بوصف المشاهدة انتهى ما في "التأويلات" بانتخاب ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ الحج فرض على من استطاع إليه سبيلا بالاتفاق والعمرة سنة عند أبي حنيفة رحمه الله لا تلزم إلا بالشروع كنفل الصلاة والمعنى أن من شرع في أي واحد منهما فليتمه قالوا ومن الجائز أن لا يكون الدخول في شيء واجبا ابتداء إلا أنه بعد الشروع فيه يكون إتمامه واجبا متعلق بأتموا واللام لام المفعول من أجله وفائدة التخصيص به هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر وحضور الأسواق وكل ذلك ليسفيه طاعة ولا قربة فأمر الله بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه والمعنى أكملوا أركانهما وشرائطهما وسائر أفعالهما المعروفة شرعا لوجه الله تعالى من غير إخلال منكم بشيء منها وأخلصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية واجعلوا النفقة من الحلال.
جزء : 1 رقم الصفحة : 308