تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال في "التأويلات القاشانية" : ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ من الشيطان وقوى النفس الأمارة ﴿ولا تعتدوا﴾ في قتالها بأن تميتوها عن قيامها بحقوقها والوقوف على حدودها حتى تقع في التفريط والقصور والفتور ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ لكونهم خارجين عن ظل المحبة والوحدة التي هي العدالة ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أي : أزيلوا حياتهم وامنعوهم عن أفعالهم بهواها الذي هو روحها حيث كانوا ﴿وأخرجوهم من حيث﴾ مكة الصدر عند استيلائهم عليها كما ﴿أخرجوكم﴾ منها باستنزالكم إلى بقعة النفس وإخراجكم من مقر القلب ﴿والفتنة﴾ التي هي عبادة هواها وأصنام لذاتها وشهواتها ﴿أشد﴾ من قمع هواها وإماتتها بالكلية أو محنتكم وبلاؤكم بها عند استيلائكم أشد عليكم ﴿من القتل﴾ الذي هو إماتتها ومحوها بالكلية لزيادة الضرر والألم هناك ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ الذي هو مقام القلب أي : عند الحضور القلبي إذا وافقوكم في توجهكم فإنهم أعوانكم على السلوك حينئذ ﴿حتى يقاتلوكم﴾ فيه وينازعوكم في مطالبه ويجروكم عن حية القلب ودين الحق إلى مقام النفس ودينهم الذي هو عبادة العجل ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ من تنازعهم وتجاذب دواعيهم وتعبدهم الهوى ﴿ويكون الدين كله﴾ بتوجه جميعها إلى جناب القدس ومشايعها للسر في التوجه إلى الحق الذي ليس للشيطان والهوى فيه نصيب ﴿فإن انتهوا فلا عدوان﴾ عليهم ﴿إلا على الظالمين﴾ على العادين المجاوزين عن حدودهم انتهى ما في "التأويلات".

وقال الشيخ نجم الدين قدس سره في قوله تعالى : ﴿الشهر الحرام﴾ الآية الإشارة أن ما يفوتكم من الأقات والأوراد بتواني النفس وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم والساعة بالساعة والوقت بالوقت والأوراد بالأوراد واقضوا الفائت والحقوق فكل صفة من صفات النفس إذا استولت عليكم فعالجوها بضدها البخل بالسخاوة والغضب بالحلم والحرص بالترك والشهوة بالرياضة وعلى هذا القياس واتقوا الله في إفراط الاعتداء احتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات واعلموا أن الله مع المتقين بالنصرة على جهاد النفس.

جزء : 1 رقم الصفحة : 307

﴿وأنفقوا فى سبيل الله﴾ الإنفاق صرف المال إلى وجوه المصالح والمراد بالسبيل الدين المؤدي إلى ثواب الله ورحمته فكل ما أمر الله به من الإنفاق في إعزاز الدين وإقامته فهو داخل في هذه الآية سواء كان في إقامة الحج أو العمرة أو جهاد الكفار أو صلة الأرحام أو تقوية الضعفاء من الفقراء والمساكين أو رعاية حقوق الأهل والأولاد أو غير ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى أمر تعالى بالجهاد بالمال بعد الأمر به بالنفس أي : واصرفوا أموالكم في سبيل الله ولا تمسكوا كل الإمساك.

﴿ولا تلقوا﴾ الإلقاء الشيء حيث تراه ثم صار

308

اسما لكل طرح عرفا وتعديته بإلى لتضمنه معنى الانتهاء ﴿بأيديكم﴾ الباء زائدة في المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه قال تعالى : ﴿فألقى موسى عصاه﴾ ولا يقال ألقي بيده إلا في الشر والمراد بالأيدي الأنفس فإن اليد لازم للنفس وتخصيص اليد من بين سائر الجوارح اللازمة لها لأن أكثر الأعمال يظهر بالمباشرة باليد والمعنى لا تطرحوا أنفسكم ﴿إلى التهلكة﴾ أي : الهلاك بالإسراف وتضييع وجه المعاش لتكون الآية نظير قوله تعالى : ﴿والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذالك قواما﴾ (الفرقان : 67) أو بالكف عن الغزو والإنفاق في مهماته فإن ذلك مما يقوي العدو ويسلطه عليكم ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنه قال : إن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه فلو رجعنا إلى أهلنا وأموالنا فأقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منا فأنزل الله تعالى ﴿وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ أي : إلى ما يكون سببا لهلاككم من الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور قسطنطينية وهم يستشفون به وفي الحديث "من مات ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" ﴿وأحسنوا﴾ أي : تفضلوا على الفقراء ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ أي : يريد بهم الخير.

جزء : 1 رقم الصفحة : 308

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٥٢