تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حكى الجاحظ قال : تحاورت أنا وإبراهيم بن سيار المعروف بالنظام حيث الطيرة فقال : أخبرك أني جعت حتى أكلت الطين وما صبرت على ذلك حتى قلبت قلبي أتذكر هل ثمة رجل أصيب عنده غداء أو عشاء فقصدت الأهواز وهي من بلدان فارس وما أعرف بها واحدا وما كان ذلك إلا شيئا أمر به الضجر فوافيت الفرضة فلم أجد بها سفينة فتطيرت من ذلك ثم أني رأيت سفينة في صدرها خرق وهشم فتطيرت أيضا فقلت للملاح : ما اسمك؟ قال : "ديوزاده" بالفارسي وهو اسم الشيطان فتطيرت وركبت معه فلما قربنا من الفرضة صحت يا حمال ومعي لحاف سمل وبعض ما لا بد لي منه فكان أول حمال أجابني

304

أعور فازددت طيرة وقلت في نفسي الرجوع أسلم ثم ذكرت حاجتي إلى أكل الطين وقلت : من لي بالموت فلما صرت إلى الخان وأنا حائر ما أصنع سمعت قرع باب البيت الذي أنا فيه فقلت : من هذا؟ قال : رجل يريدك فقلت : من أنا؟ قال : إبراهيم بن سيار النظام فقلت في نفسي : هذا عدو أو رسول سلطان ثم إني تحاملت وفتحت الباب فقال : أرسلني إليه إبراهيم بن عبد العزيز ويقول لك وإن كان اختلفنا في المقالة فإنا نرجع بعد ذلك إلى حقوق الأخلاق والحرية وقد رأيتك حيث مررت على حال كرهتها وينبغي أن يكون برحت بك حاجة فإن شئت فأقم مكانك مدة شهر أو شهرين فعسى نبعث لك ببعض ما يكفيك زمينا من دهرك وإن اشتهيت الرجوع فهذه ثلاثون دينارا فخذها وانصرف وأنت أحق من عذر قال فورد علي أمور أذهلتني أما واحدها فإني لم أكن ملكت قط ثلاثة دنانير والثاني أنه لم يطل مقامي وغيبتي عن أهلي والثالث ما تبين لي من الطيرة أنها باطلة كذا في "شرح رسالة الوزير ابن زيدون" فظهر أنه قد يكون ما تكرهه النفس خيرا كما حكي أنه وقع قحط في زمن شيخ فعين لكل من طلبته على طريق التفاؤل مكسبا فجاء في فال واحد منهم قطع الطريق فانتقل ذلك الرجل فلقي بعض الحرامية واجتمع بهم فنهبوا جماعة من التجار فبعد أخذ أموالهم ربطوا أيديهم وأمروا هذا الرجل أن يذبحهم بعيدا عنهم فتفكر الرجل فخطر بباله أن يطلقهم ويعطيهم السلاح ويطهروا الطريق من القطاع ففعلوا وهم غافلون ثم سألوا عن هذا الرجل فحكي حاله فجاؤوا إلى شيخه وسلموا الأموال وصاروا من جملة أحبائه فعليك بالتسليم والقبول لكي تنال المأمول ، قال الصائب :

ون سرودر مقام رضا استاده أم

آسوده خاطرم زبهار وخزال خويش

جزء : 1 رقم الصفحة : 303

ثم في قوله : ﴿وليس البر﴾ الآية إشارة إلى أن لكل شيء سببا ومدخلا لا يمكن الوصول إليه ولا الدخول إلا باتباع ذلك السبب والمدخل كقوله تعالى : ﴿وءاتيناه من كل شىء سببا * فأتبع سببا﴾ (الكهف : 84 85) فسبب الوصول إلى حضرة الربوبية والمدخل فيها هو التقوى وهي اسم جامع لكل بر من أعمال الظاهر وأحوال الباطن والقيام باتباع الموافقات واجتناب المخالفات وتصفية الضمائر ومراقبة السرائر فبقدر السلوك في مراتب التقوى يكون الوصول إلى حضرة المولى كقوله تعالى : ﴿إن أكرمكم عند الله أتقااكم﴾ (الحجرات : 13) وقال عليه السلام : "عليكم بتقوى الله فإنه جماع كل خير" فقوله : ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ أي : غير مدخلها بمحافظة ظواهر الأعمال من غير رعاية حقوق بواطنها بتقوى الأحوال ﴿ولاكن البر من اتقى﴾ أي : حق التقوى كقوله تعالى : ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ (آل عمران : 102) قيل في معناه أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ أي : ادخلوا الأمور من مداخلها ثم ذكر مدخل الوصول وقال : ﴿واتقوا الله﴾ أي : اتقوا بالله عما سواه يقال فلان اتقى بترسه يعني اجعلوا الله محرزكم ومتقاكم ومفركم ومفزعكم ومرجعكم منه إليه كما كان حال النبي عليه السلام يقول : "أعوذ بك منك" ﴿لعلكم تفلحون﴾ لكي تنجوا وتتخلصوا من مهالك النفوس بإعانة الملك القدوس كذا في "التأويلات النجمية".

جزء : 1 رقم الصفحة : 303

﴿وقاتلوا﴾ جاهدوا ﴿فى﴾ نصرة ﴿سبيل الله﴾ واعزازه والمراد بسبيل الله دينه لأنه طريق إلى الله ومرضاته ﴿الذين يقاتلونكم﴾ يعني قريشا وكان ذلك قبل أن

305

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٤٩