تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمروا بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين لأن هذه الآية أول آية نزلت في القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه أي : يقاتل من واجهه للقتال وناجزه ويكف عن قتال من لم يناجز وإن كان بينه وبينهم محاجزة وممانعة ويؤيده ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية وذلك أن النبي عليه السلام خرج مع أصحابه للعمرة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة وكانوا ألفا وأربعمائة فنزل في الحديبية وهو موضع في قرب مكة كثير المياه والأشجار وصدهم المشركون عن البيت الحرام فأقام شهرا وصالحه المشركون على أن يرجع ذلك العام ويأتي مكة في العام المقبل ويعتمر فرضي بما قالوا وأن يصدوهم عن البيت وكره الأصحاب قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم فأنزل الله تعالى ﴿وقاتلوا﴾ الآية ﴿ولا تعتدوا﴾ بابتداء القتال في الحرم محرمين ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ أي : لا يريد بهم الخير.

﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أين وجدتموهم في الحرم والحل وفي الأشهر الحرم وهم الذين هتكوا حرمة الشهر والحرم بالبداية فجازوهم بمثله وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء علما كان أو عملا فهو يتضمن معنى الغلبة ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ أي : من مكة لأنهم أخرجوا المسلمين منها أولا وأخرج عليه الصلاة والسلام منها ثانيا من لم يؤمن به منهم يوم الفتح ﴿والفتنة﴾ في الأصل عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ثم صار اسما لكل ما كان سببا للامتحان تشبيها بهذا الأصل أي : المحنة التي يفتتن بها الإنسان ويمتحن كالإخراج من الوطن ﴿أشد من القتل﴾ أصعب منه لدوام تعبها وتألم النفس بها فتكون هذه الجملة متعلقة بقوله : ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ تذييلا له وحثا على الإخراج والمعنى أن إخراجكم إياهم ليس أهون عليهم من القتل بل هو أشد من قتلكم إياهم فيصلح جزاء لإصرارهم على الكفر ومناجزتهم لحربكم وقتالكم.

جزء : 1 رقم الصفحة : 305

قيل لبعض الحكماء ما أشد من الموت قال الذي يتمنى فيه الموت جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت ويحتمل أن تكون متعلقة بقوله : ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ فيكون المقصود حث المؤمنين على قتلهم إياهم في الحرم أي : لا تبالوا بقتلهم أينما وجدتموهم فإن فتنتهم أي : تركهم في الحرم وصدهم إياكم عن الحرم أشد من قتلكم إياهم فيه ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ أي : لا تفاتحوهم بالقتل هناك وهتك حرمة المسجد الحرام ﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾ حتى يبدؤوكم بالقتال في الحرم وهذا بيان لشرط كيفية قتالهم في هذه البقعة خاصة فيكون تخصيصا لقوله : ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ ﴿فإن قاتلوكم﴾ ثمة ﴿فاقتلوهم﴾ فيه ولا تبالوا بقتالهم ثمة لأنهم الذين هتكوا حرمته فاستحقوا أشد العذاب ﴿كذالك﴾ أي : مثل ذلك الجزاء على أن الكاف في محل الرفع بالابتداء ﴿جزآء الكافرين﴾ يفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم.

﴿فإن انتهوا﴾ عن القتال وكذا عن الكفر فإن الانتهاء عن مجرد القتال لا يوجب استحقاق المغفرة فضلا عن استحقاق الرحمة ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ يغفر لهم ما قد سلف ﴿وقاتلوهم﴾ أي : المشركين ﴿حتى لا تكون﴾ إلى أن لا توجد ولا تبقى ﴿فتنة﴾ أي : شرك يعني قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل

306

من الوثني إلا الإسلام فإن أبى قتل ﴿ويكون الدين﴾ خالصا له ليس للشيطان نصيب فيه ﴿فإن انتهوا﴾ بعد مقاتلتكم عن الشرك ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ أي : فلا تعتدوا على المنتهين إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم فحذف نفس الجزاء وأقيمت علته مقامه والعلة لما كانت مستلزمة للحكمة كني بها عنه كأنه قيل فإن انتهوا فلا تعدوا عليهم لأن العدوان مختص بالظالمين والمنتهون عن الشرك ليسوا بظالمين فلا عدوان عليهم وسمي ما يفعل بالكفار عدوانا وظلما وهو في نفسه حق وعدل لكونه جزاء السلم للمشاركة كقوله تعالى : ﴿وجزاؤا سيئة سيئة﴾ (الشورى : 40).

جزء : 1 رقم الصفحة : 305

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٥٠