والإشارة في الآية أن الأموال خلقت لمصالح قوام النفس وأن النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية لقوله : ﴿وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات : 56) ليعلموا أن الأموال والأنفسفلا يتصرفون فيهما إلا بأمر الله.
جزء : 1 رقم الصفحة : 299
﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ بهوى النفس والحرص والشهوة والإسراف على الغفلة وكلوا بالحق والقناعة والتقوية على الطاعة والقيام بالعبودية لا ﴿بهآ إلى الحكام لتأكلوا﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿لتأكلوا فريقا من أموال الناس﴾ من الأموال التي خلقت للاستعانة بها على العبودية ﴿بالاثم﴾ أي : بالقطيعة والغفلة مستعينين بها على المعصية كالحيوانات والبهائم فيكون حاصلكم ومرجعكم ومثواكم النار ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ﴿وأنتم تعلمون﴾ حاصل الأمر ولا تعملون به كذا في "التأويلات النجمية" ﴿يسالونك عن الاهلة﴾ روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا : يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا أولا ولا يكون على حالة واحدة فأنزل الله تعالى ﴿يسالونك عن الاهلة﴾ وهي جمع هلال والهلال أول ما يظهر لك من نور القمر إلى ثلاث ليال وسمي هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم استهل الصبي إذا صرخ حين يولد وأهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ﴿قل﴾ يا محمد ﴿هى﴾ الأهلة ﴿مواقيت﴾ جمع ميقات من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها والزمان مدة مقسومة إلى
303
الماضي والحال والمستقبل والوقت الزمان المفروض لأمر ﴿للناس﴾ أي : لما يتعلق بهم من أمور معاملاتهم ومصالحهم ﴿والحج﴾ وأموره المتعلقة بأوقات مخصوصة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 303
فإن قلت لما كانت الأهلة مواقيت يوقت بها الناس عامة مصالحهم علم منه كونها ميقاتا للحج لأنه من جملة المصالح المتوقفة على الوقت فلم خصه بالذكر.
قلت الخاص قد يذكر بعد العام للتنبيه على مزيته فالحج من حيث أنه يراعى في أدائه وقضائه الوقت المعلوم بخلاف سائر العبادات التي لا يعتبر في قضائها وقت معين وحال الخطاب أن الهلال يبدو دائما ويظهر لكم على حسب مصلحتكم لقربه وبعده من الشمس كما بين في فن الهيئة.
قال في "التيسير" : ثم الشمس على حالة واحدة لأنها ضياء للعام وقوام لمصالح الناس والقمر يتغير لأن الله علق به ما قلنا من المواقيت وذلك يعرف بهذه الاختلافات ودبر عز وجل هذا التدبير لحاجة الناس إلى ذلك انتهى ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ كان الأنصار إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته يدخل منه ويخرج أو يتخذ سلما فيصعد منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا إلا أن يكون من الحمس وهم قريش وسببه أنهم ظنوا أنه لا بد في الإحرام من تغيير جميع العادات فغيروا عادتهم في الدخول كما غيروا في اللباس والتطيب وقالوا لا ندخل بيوتا من الأبواب حتى ندخل بيت الله تعالى وكان منهم من لا يستظل بسقف بعد إحرامه ولا يأقط الإقط ولا يجز الوبر وهذه أشياء وضعوها من عند نفوسهم من غير شرع فعرفهم الله تعالى أن هذا التشديد ليس ببر ولا قربة ﴿ولاكن البر﴾ بر ﴿من اتقى﴾ المحارم والشهوات دون دخول البيت من ظهر.
وفي "الكشاف" : فإن قلت ما وجه اتصاله بما قبله قلت كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها معلوم إن كان ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا حكمة بالغة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برا ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ حال الإحرام إذ ليس في العدول بر ﴿واتقوا الله﴾ في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي : لكي تظفروا بالبر والهدى.
وللآية تأويل آخر قاله الحسن قال : كان في الجاهلية من هم بسفر أو أمر يصنعه فمنع عن ذلك لم يدخل داره من الباب حتى يحصل له ذلك وكان قريش وقبائل العرب من خرج لسفر أو حاجة ثم رجع ولم يظفر بذلك كان ذلك طيرة فنهاهم الله عن ذلك وأخبر أن الطيرة ليس ببر والبر بر من لم يخف غيره وتوكل عليه.
جزء : 1 رقم الصفحة : 303