تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ أي : لا يأكل بعضهم مال بعض بالوجه الذي لم يبحه الله تعالى ولم يشرعه كالغصب والنهب والسرقة واليمين الكاذبة وكالأكساب الخبيثة كالقمار والرشى وحلوان الكاهن والمغني والنائحة وكالحيلة ووجوه الخيانة ، قوله : ﴿بينكم﴾ نصب على الظرفية فيتعلق بقوله : ﴿تأكلوا﴾ ومعنى كون الأكل بينهم وقوع التداول والتناول لأجل الأكل بينهم وليس المراد بالأكل المنهي عنه نفس الأكل خاصة لأن جميع التصرفات المتفرعة على الأسباب الباطلة حرام إلا أنه شاع في العرف أن يعبر عن إنفاق المال بأي وجه كان بالأكل لأن الأكل معظم المقصود من المال وقوله : ﴿بالباطل﴾ متعلق بالفعل المذكور أي : لا تأكلوها بالسبب الباطل.

نزلت في رجلين تخاصما في أرض بينهما فأراد أحدهما أن يحلف على أرض أخيه بالكذب فقال النبي عليه السلام : "إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي وأنتم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له شيئا من حق أخيه فإنما أقضي له قطعة من نار" فبكيا وقال كل واحد منهما أنا حل لصاحبي فقال : "اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".

قوله ألحن بحجته أي : أقوم بها وأقدر عليها من صاحبه والتوخي قصد الحق والاستهام الاقتراع وفيه دلالة ظاهرة على أن حكم القاضي لا ينفذ باطنا كما عند الشافعي وحمله أبو حنيفة على الأموال والاملاك دون عقود النكاح وفسخها وموضع بيانه مشبعا "كتاب القضاء في الفقه" ﴿وتدلوا بهآ إلى الحكام﴾ عطف على المنهى عنه فيكون مجزوما بلا الناهية المذكورة بواسطة العاطف والإدلاء والإلقاء وضمير بها للأموال بتقدير المضاف والباء فيه مثلها في قوله تعالى : ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (البقرة : 195) والمعنى ولا تلقوا أمر الأموال والحكومة فيها إلى الحكام ﴿لتأكلوا﴾ بالتحاكم إليهم ﴿فريقا﴾ أي طائفة وبعضا ﴿من أموال الناس بالاثم﴾ الباء سببية متعلقة بقوله لتأكلوا أي بما يوجب إثما كشهادة الزور واليمين الكاذبة والصلح مع العلم بأن المقضي له ظالم والمقضي به حق المقضي عليه وقيل ولا تلقوا بعضها إلى أمراء الظلم وقضاة السوء على وجه الرشوة ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنكم على الباطل وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح وصاحبها أحق بالتوبيخ ويقال : الدنيا ثلاثة أشياء حلال وحرام وشبهة فالحرام يوجب العقاب والشبهة توجب العتاب والحلال يوجب الحساب ، قال الحكيم السنايي :

جزء : 1 رقم الصفحة : 299

اين جهان برمثال مردارست

كر كسان اندرون هزار هزار

اين مرانرا همى زند مخلب

وان مرين را همي زند منقار

آخر الأمر بكذرند همه

وز همه باز ماند اين مردار

فعلى العاقل أن يجتنب عن حقوق العباد والمظالم.

حكي أنه لما مات أنوشروان كان يطاف

302

بتابوته في جميع مملكته وينادي مناد من له علينا حق فليأت فلم يوجد أحد في ولايته له عليه حق من درهم.

روي أن أبا حنيفة كان له على بعض المجوس مال فذهب إلى داره ليطالبه به فلما وصل إلى باب داره وقع نعله على نجاسة فنفض نعله فانقلعت النجاسة عن نعله ووقعت على حائط دار المجوسي فتحير أبو حنيفة رحمه الله وقال : إن تركتها كان ذلك شيئا يقبح جدار ذلك المجوسي وإن حككتها أحفر التراب من الحائط فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها : قولي لمولاك إن أبا حنيفة بالباب فخرج إليه وظن أنه يطالبه بالمال وأخذ يعتذر فقال أبو حنيفة رحمه الله : ههنا ما هو أولى بالاعتذار وذكر قصة الحدار وأنه كيف السبيل إلى التطهير؟ فقال المجوسي فأنا أبدأ بتطهير نفسي فأسلم في الحال والنكتة أن أبا حنيفة لما احترز عن ظلم ذلك المجوسي في ذلك القدر القليل فلأجل بركة ذلك أسلم المجوسي ونجا من شقاوة الأبد فمن احترز عن الظلم نال سعادة الدارين وإلا فقد وقع في الخذلان.

حكي أن نصرانيا كان يحمل امرأته على حمار فأتى بعض قرى المسلمين فقطع واحد من الرنود ذنب حماره فوثب الحمار وسقطت المرأة وانكسرت يداها وألقت حملها أيضا فذهب النصراني إلى قاضي تلك القرية شاكيا فقال القاضي لذلك الرند : خذ هذا الحمار وأمسكه حتى ينبت ذنبه والمرأة حتى تحمل حملا وتصح عندك يداها فقال النصراني : أهكذا حكم شريعتكم ثم رفع رأسه إلى السماء وقال إلهي أنت حليم ولا صبر لي على هذا فاحكم يا ناظر الملهوفين ويا ناصر المظلومين فمسخ الله ذلك القاضي فصار حجرا من ساعته ففي هذه الحكاية شيئان :

الأول : أن هذا القاضي بظلمه وقع فيما وقع من البلاء العظيم.

والثاني : أنه يجب الاحتراز عن الظلم وإن كان المظلوم كافرا فإن دعاء الكافر يسمع.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٤٧