وفي الخلوة والانقطاع عن الناس فوائد جمة : يسلم منه الناس وسلم هو منهم وفيها خمول النفس والإعراض عن الدنيا وهو أول طريق الصدق والإخلاص وفيه الإنس بالله والتوكل والرضى بالكفاف فإن المعاشر للناس والمخالط يتكلف في معيشته البتة فإذا لا يفرق غالبا بين الحلال والحرام فيقع في الهلاك ويسلم المتخلي أيضا من مداهنة الناس وغير ذلك من المعاصي التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة.
قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره : التصوف عبارة عن الاجتناب عن كل ما فيه شائبة الحرمة وصون لسانه عن الكلام اللغو والخلوة والأربعون ليست إلا هذا فإنه وحده في الكثرة والمقصود من الخلوة أيضا ذلك ولكن ما يكون في الكثرة على الوجه الذي ذكرنا أثبت وأحكم لأن ما يكون بالخلوة يزول إذا اختلط بين الناس وليس كذلك ما ذكر فطريقنا طريق النبي عليه السلام وطريق الأصحاب رضي الله تعالى عنهم والنبي عليه السلام لم يعين الأربعين بل الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان نعم فعل ذلك موسى عليه السلام قال تعالى : ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾ (الأعراف : 142) والخلوتية أخذوا من ذلك كذا في "واقعات الهدائي" قدس سره ﴿تلك﴾ أي : الأحكام التي ذكرت من أول آية الصيام إلى هنا ﴿حدود الله﴾ جمع حد وهو الحاجز بين الشيئين وجعل ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام حدودا لهم لكونها أمورا حاجزة بين الحق والباطل ولكونها مانعة من مخالفاتها والتخطي عنها ﴿فلا تقربوها﴾ أي : إن تنتهوا فلا تقربوها فضلا عن تجاوزها نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل فضلا أن يتخطى كما قال عليه السلام : "إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" وهو أبلغ من قوله فلا تعتدوها ولما بين تعالى أحكام الصوم على وجه الاستقصاء في هذه الألفاظ القليلة بيانا شافيا قال بعده ﴿كذالك﴾ أي : بيانا مثل هذا البيان الوافي الواضح فالكاف في محل النصب على أنه صفة مصدر محذوف ﴿يبين الله ءاياته للناس﴾ والآيات دلائل الدين ونصوص الأحكام والمقصود من تعظيم البيان هدايته ورحمته على عباده في هذا البيان ﴿لعلهم يتقون﴾ مخالفة أوامره ونواهيه.
والتقوى اتقاء الشرك.
ثم بعده اتقاء المعاصي والسيئات.
ثم بعده اتقاء الشهوات.
ثم يدع بعده الفضلات وفي الحديث
301
"لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس" ، قال السعدي قدس سره :
جزء : 1 رقم الصفحة : 299
ترا آنكه شم ودهان داد وكوش
اكر عاقلى در خلا فش مكوش
واك آفريدت بهش باش واك
كه ننكست نا اك رفتن بخاك
مرو زير بار كنه اي سر
كه حمال عاجز بود در سفر
مكن عمر ضايع بافسوس وحيف
كه فرصت عزيز ست والوقت سيف
جعلنا الله وإياكم من أهل اليقظة واليقين.