القربة بها يرفع الدعاء إلى الله كما قال تعالى : ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ (فاطر : 10) ويزكي الروح عن دنس الالتفات لغير الله ليتعرض لنفخات الطاقة ويزكي السر عن وصمة الشرك بأن يوجهه إلى الحق في الدعاء لطلب الحق لا لطلب غير الحق من الحق ليستجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه كما قال : "ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني" وإن الله وعد الإجابة على طلبه بالدعاء فقال : (أجيب دعوة الداعع إذا دعان) أي : إذا طلبني ، قال السعدي :
جزء : 1 رقم الصفحة : 296
خلاف طريقت بود كاوليا
نكمت كنند ازخدا جز خدا
فمن أخل ببعض هذه الشرائط لم يلزمه الإجابة كمن أخل بركن من أركان الصلاة لم يلزمه القبول إلا أن الجبار يجبر كل خلل وكسر يكون في أعمال العباد بفضله وكرمه وفي الحقيقة إن أفضاله مع العباد مقدم على أعمالهم وإنه يعطي قبل السؤال ويحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال والدعاء على قسمين : داع بالدعاء وقارىء للدعاء فللداعي يفتح أبواب السموات حتى يبلغ دعاؤه العرش وقارىء الدعاء لا يبلغ إلا الإذن.
قال الفناري في "تفسير الفاتحة" : ثم لصحة التصور وجودة الاستحضار أثر عظيم في الإجابة اعتبره النبي عليه الصلاة والسلام وحرض عليه عليا رضي الله تعالى عنه لما علمه الدعاء وفيه اللهم اهدني وسددني فقال له اذكر بهدايتك هداية الطريق وبالسداد سداد السهم فأمره باستحضار هذين الأمرين وقت الدعاء فهذا هو سر إجابة دعاء الرسل والكمل والأمثل فالأمثل واستقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوي في الإجابة فمن تصوره تصورا صحيحا من رؤية وعلم سابقين أو حاضرين حال الدعاء ثم دعاه سيما بعد أمره له بالدعاء والتزامه الإجابة فإنه يجيبه لا محالة أما من زعم أنه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الإجابة فلا يلومن إلا نفسه إذ لم يناد القادر على الإجابة وإنما توجه إلى ما أنشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه إذ ذاك لكن سؤاله قد يثمر بشفاعة حسن ظنه بربه وشفاعة المعية الإلهية وحيطته فالمتوجه بالخطأ مصيب من وجه كالمجتهد المخطىء مأجور غير محروم بالكلية انتهى كلام الفناري.
وفي "رسالة القشيري" : في الخبر المروي "إن العبد يدعو الله سبحانه وهو يحبه فيقول : يا جبريل أخر حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته وإن العبد ليدعوه وهو يبغضه فيقول : يا جبريل اقض حاجة عبدي فإني أكره أن أسمع صوته".
حكي أنه وقع ببغداد قحط فأمر الخليفة المسلمين بالخروج للاستسقاء فخرجوا واستسقوا فلم يسقوا فأمر اليهود فخرجوا وسقوا فتحير الخليفة ودعا علماء المسلمين وسألهم فلم يفرجوا عنه فجاء سهل بن عبد الله وقال : يا أمير المؤمنين إنا معاشر المسلمين أحبنا الله لدين الإسلام وهدانا ويحب دعاءنا وتضرعنا فلهذا لم يعجل إجابتنا وهؤلاء أبغضهم ولعنهم فلهذا عجل إجابتهم وصرفهم عن بابه قال عليه السلام : "قوام الدنيا بأربعة أشياء : بعلم العلماء ، وعدل الأمراء ، وسخاوة الأغنياء ، ودعوة الفقراء" وينبغي أن يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى العظام والأدعية المأثورة عن السلف الكرام وينبغي أن يتوسل إلى الله تعالى بالأنبياء والأولياء الصالحين.
وللدعاء أماكن يظن فيها الإجابة مثلا عند رؤية الكعبة والمساجد الثلاثة وبين الجلالتين من سورة الأنعام وفي الطواف وعند الملتزم وفي البيت وعند زمزم وعند شرب مائه وعلى الصفا والمروة
298
وفي السعي وخلف المقام وفي عرفات والمزدلفة ومنى وعند الجمرات الثلاث وعند قبور الأنبياء عليهم السلام.
وقيل : لا يصح قبر نبي بعينه سوى قبر نبينا عليه الصلاة والسلام وقبر إبراهيم عليه السلام داخل السور من غير تعيين وجرب استجابة الدعاء عند قبور الصالحين بشروط معروفة عند أهلها اللهم أفض علينا من بركات الصالحين.
جزء : 1 رقم الصفحة : 296