تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ تقرير للقرب المجازي المراد في هذا المقام وهو الحالة الشبيهة بالقرب المكاني وقد تقرر أن إثبات ما يلائم المستعار منه للمستعار له يرشح الاستعارة ويقررها وأيضا وعد للداعي بالإجابة ، فإن قلت : إنا نرى الداعي يبالغ في الدعوات والتضرع فلا يجاب ، قلت : إن هذه الآية مطلقة والمطلق محمول على المقيد وهو قوله تعالى : ﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء﴾ (الأنعام : 41) فالمعنى أجيب دعوة الداع إذا دعاني إن شئت أو إذا وافق القضاء أو إذا لم يسأل محالا أو كانت الإجابة خيرا له والإجابة إعطاء ما سئل والله تعالى يقابل مسألة السائل بالإسعاف ودعاء الداعي بالإجابة وضرورة المضطرين بالكفاية ﴿فليستجيبوا لى﴾ أي : فليجيبوا إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم واستجابه واستجاب له وأجابه واحد قطع مسألته بتبليغة مراده وأصله من الجوب والقطع ﴿وليؤمنوا بى﴾ أمر بالثبات على ما هم عليه.

قال ابن الشيخ الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام والإيمان عبارة عن صفة القلب وتقديمها على الإيمان يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقديم الطاعات والعبادات.

ومعنى الفاء فيه أنه تعالى قال : أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقا فكن أنت أيضا مجيبا لدعائي مع أنك محتاج إلي من كل الوجوه فما أعظم

296

هذا الكرم ﴿لعلهم يرشدون﴾ راجين إصابة الرشد وهو الاهتداء لمصالح الدين والدنيا ومعنى الآية أنهم إذا استجابوا وآمنوا اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم لأن الرشيد من كان كذلك.

اعلم أن عدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند أهل الشريعة والطريقة لأنه كالمقاومة مع الله ودعوى التحمل لمشاقه ، وفي "المثنوي" :

تافرود آيد بلا بي دافعي

ون نباشد از تضرع شافعي

فالتسبب واجب للعوام والمبتدعين في السلوك والتوكل أفضل للمتوسطين.

وأما الكاملون فليس يمكن حصر أحوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان.

جزء : 1 رقم الصفحة : 296

روي أن إبراهيم الخليل عليه السلام لما ألقي في النار لقيه جبريل في الهواء فقال : ألك حاجة؟ فقال : أما إليك فلا فقال : فاسأل الله الخلاص فقال عليه السلام : حسبي من سؤالي علمه بحالي وهذا مقام أهل الحقيقة من المكملين الفانين عن الوجود وما يتعلق به والباقين بالرب في كل حال فأين أنت من هذا فاسأل الله عفوه ومغفرته وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكلم الناس بقدر مراتبهم ولذا قال لأعرابي أرسل إبلا له توكلا عليه تعالى : "اعقلها وتوكل على الله" أمر بعقل الدابة لأنه أراد بالتوكل التحرز عن الفوات وحث بعضهم على التوكل كتوكل الطير وذلك إذا لم يسكن إلى سابق القضاء ، ثم إجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه ومن دعا بحاجة فلم نقض للحال فذلك لوجوه : منها أن الإجابة حاصلة لا محالة فإن إجابة الدعوة غير قضاء الحاجة وقضاء الحاجة غير إجابة الدعوة فإن إجابة الدعوة هو أن يقول العبد : يا رب فيقول الله تعالى له : لبيك عبدي وهذا موعود موجود لكل متوجه راشد وقضاء الحاجة إعطاء المراد وإيصال المرتاد وذلك قد يكون للحال وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة وقد يكون الخيرة له في غيره ومنها أن الإجابة ليست بجهة واحدة بل لها جهات وفي الحديث "دعوة المسلم لا ترد إلا لإحدى ثلاث : إما أن يدعو بإثم أو قطعية رحم وإما أن يدخر له في الآخر وإما أن يصرف السوء عنه بقدر ما دعا" ، ومنها أن الإجابة مقيدة بالمشيئة كما سبق ، ومنها أنه شرط لهذه الإجابة إجابة العبد إياه فيما دعاه إليه لقوله تعالى : ﴿فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى﴾ ، ومنها أن للدعاء شرائط وآدابا وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة ومن أخل بها كان من أهل الاعتداء فلا يستحق الجواب والأسباب منها ما يتعلق بأهل العموم ويطول ذكرها إن استوفيت ههنا ، ومنها ما يتعلق بالخصوص وهي التزكية فالإجابة موقوفة على تزكية الداعي فعليه أن يزكي البدن أو لا فيصلحه بلقمة الحلال وقد قيل : الدعاء مفتاح باب السماء وأسنانه لقمة الحلال وقال عليه السلام : "الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول : يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك".

حكي أنه كان بالكوفة أناس يستجاب دعاؤهم كلما دخل عليهم والل كانوا يدعون عليه فيهلك فدبر الحجاج الحيلة عليهم حين ولي عمل الكوفة من ابن مروان فدعاهم إلى مأدبته فلما أكلوا قال : أمنت من دعائهم أن يستجاب حيث دخل في بطونهم طعام حرام ويزكي الداعي نفسه ويطهرها من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة لأنها قاطعات لطريق الدعاء ويزكي قلبه عن رين التعلقات الإنسانية من النفساني والروحاني ويصفيه بالأذكار وينوره بنور الأخلاق فإن هذه أسباب

297

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٤٢