تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿أحل لكم﴾ تقديم الظرف على القائم مقام الفاعل للتشويق فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة إليه فيتمكن عندها وقت وروده فضل تمكن أي : أبيح لكم ﴿ليلة الصيام﴾ أي : في ليلة يوم الصوم وهي الليلة التي يصبح الرجل في غداتها صائما ﴿الرفث﴾ أصل الرفث قول الفحش والتكلم بالقبح ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء ثم جعل كناية عن الجماع لأن الجماع لا يخلو عن شيء من التصريح بما يجب أن يكنى عنه من الألفاظ الفاحشة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة كالغمز والتقبيل.

﴿إلى نسآئكم﴾ عدي الرفث بإلى وإن كان المشهور تعديته بالباء تقول : رفثت بالمرأة لتضمنه معنى الإفضاء قال تعالى : ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ (النساء : 21) أراد به الجماع وكان الرجل في ابتداء الإسلام إذا أمسى في رمضان حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الأخيرة أو يرقد فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الأخيرة فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال : يارسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة إني رجعت إلى أهلي بعد العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فقال عليه السلام : "ما كنت جديرا بذلك يا عمر" فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزلت الآية وصارت زلته سببا للرحمة في جميع الأمة

جزء : 1 رقم الصفحة : 299

﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ استئناف مبين لسبب الإحلال وهو صعوبة الصبر عنهن مع شدة المخالطة وكثرة الملابسة بهن وجعل كل من الرجل والمرأة لباسا للآخر لتجردهما عند النوم واعتناقهما واشتمال كل منهما على الآخر أو لأن كلا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور وعما لا يحل كما جاء في الحديث "من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه" أو المعنى هن سكن لكم وأنتم سكن لهن كما قال تعالى : ﴿وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ (الأعراف : 189) ولا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر ﴿علم الله﴾ في الأزل ﴿أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ تخونونها وتظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب بمباشرة النساء في ليالي الصوم والخيانة ضد الأمانة وقد ائتمن الله العباد على ما أمرهم به ونهاهم عنه فإذا عصوه في السر فقد خانوه وقد قال الله تعالى : ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ (الأنفال : 27) قال الصائب :

ترابكوهر دل كرده اند امانت دار

زدزد امانت حق را نكاه دار مخسب

جزء : 1 رقم الصفحة : 299

﴿فتاب عليكم﴾ عطف على علم أي : قبل توبتكم وتجاوز عنكم لما تبتم مما اقترفتموه ﴿وعفا عنكم﴾ أي : محا أثره عنكم ﴿فالاان﴾ أي : لما نسخ التحريم ظرف لقوله : ﴿باشروهن﴾ أصله فعل بمعنى حان ثم جعل اسما للزمان الحاضر وعرف بالألف واللام وبقي على الفتحة.

والمباشرة : إلزاق البشرة بالبشرة كنى بها عن الجماع الذي يستلزمها وجميع

299

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٤٤