ما يكون بينا جليا وما لا يكون كذلك والأول أفضل القسمين فذكر الجنس أولا ثم أردفه بإشراف نوعيه بل بالغ فيه فكأنه قيل : إنه هدى بل هو بين من الهدى ولا شك أنه في غاية المبالغة لأنه في المرتبة الثالثة فالعطف في وبينات من باب عطف التشريف ﴿فمن﴾ الفاء للتفريع والترتيب ﴿شهد﴾ أي : حضر موضع الإقامة من المصر أو القرية كائنا ذلك الحاضر ﴿منكم الشهر﴾ منصوب على الظرف أي : في الشهر دون المفعول به لأن المقيم والمسافر يشهدان الشهر ﴿فليصمه﴾ أي : فليصم فيه بحذف الجار وإيصال الفعل إلى المجرور اتساعا ، والمراد بالشاهد العاقل البالغ الصحيح لأن كل واحد من الصبي والمجنون يشهد موضع الإقامة في الشهر مع أنه لا يجب عليهما الصوم وهذا أي : الحتم ينسخ التخيير بين الصوم والإفطار والفداء ﴿ومن كان مريضا﴾ وإن كان مقيما حاضرا فيه ﴿أو على سفر﴾ وإن كان صحيحا وعلى بمعنى في وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض ﴿فعدة من أيام أخر﴾ أي : فعليه صيام أيام أخر وأعاد تخيير المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيم المطيق والمسافر والمريض ونسخ في الثانية تخيير المقيم بقوله : ﴿فليصمه﴾ فلو اقتصر على هذا احتمل أن يعود النسخ إلى تخيير الجميع فأعاد بعض النسخ بترخيص المسافر والمريض ليعلم أنه باق على ما كان ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ حيث أباح الفطر بالسفر والمرض واليسر ما تسهل ﴿ولا يريد بكم العسر﴾ أي : مشقة بالصوم في المرض والسفر لغاية رأفته وسعة رحمته.
قال محمد بن علي الترمذي قدس سره : اليسر اسم الجنة لأن جميع اليسر فيها والعسر اسم جهنم لأن جميع العسر فيها معناه يريد الله بصومكم إدخال الجنة ولا يريد بكم إدخال النار ، قال شيخنا العلامة الفضلي قدس سره في الآية أن مراده تعالى بأن يأمركم بالصوم يسر الدارين لا عسرهما أما اليسر في الدنيا فالترقي إلى الملكية والروحانية والوصول إلى اليقظة والمعرفة وأما العسر فيها فالبقاء مع البشرية والحيوانية والاتصاف بالأوصاف الطبيعية والنفسانية وأما اليسر في الآخرة فهو الجنة والنعمة والقربة والوصلة والرؤية وأما العسر فيها فهو الجحيم وعذابها ودركاتها انتهى كلامه.
جزء : 1 رقم الصفحة : 292
وقال نجم الدين في "تأويلاته" : يعني يريد الله بكم اليسر الذي هو مع العسر فلا تنظر في امتثال الأمر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي هو مع العسر فإن العاقل إذا سقاه الطبيب شرابا مرا أمر من بلاء المرض موجبا للصحة فلا ينظر العاقل إلى مرارة الشراب ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة انتهى ، قال السعدي قدس سره :
وبالست دادن برنجور قند
كه داروي تلخش بود سودمند
زعلت مدار أي خردمند بيم
جوداروي تلخت فرستد حكيم
﴿ولتكملوا العدة﴾ أي : وإنما أمرناكم بمراعاة العدة بعد إيجاب صوم رمضان كما قال تعالى : ﴿فعدة﴾ أي : فعليكم عدة ما أفطرتم لتكملوا عدد أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم بسبب مرضكم
293