جزء : 1 رقم الصفحة : 289
ندارند تن روران آكهى
كه ر معده باشد ز حكمت تهى
وإنما أضيف الصوم إلى الله في "الصوم لي" لأنه لا رياء فيه بل سر لا يعلمه إلا الله وإنما يكون الله سبحانه جزاء صومه إذا أمسك قلبه وسره وروحه عما سواه تعالى وهو الصوم الحقيقي عند الخواص.
قال في "المثنوي" :
هركرا دارد هوسها جان اك
زود بيند حضرت وايوان اك
والإشارة في قوله تعالى : يا اأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام} إن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر الذين آمنوا شهود أنوار الحضور مع الله فصوم القلب صومه عن مشارب المعقولات وصوم الروح عن ملاحظة الروحانيات وصوم السر صونه عن شهود غير الله فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق وفي قوله عليه السلام : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" عند التحقيق أنها عائدة إلى الحق فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرا أو باطنا
291
لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية قوله تعالى : كتب عليكم الصيام أي : على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن.
فصوم اللسان عن الكذب والفحش والغيبة.
وصوم العين عن النظر في الغفلة والريبة.
وصوم السمع عن استماع المناهي والملاهي وعلى هذا فقس الباقي.
وصوم النفس عن التمني والحرص والشهوات.
وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها.
وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها.
وصوم السر عن رؤية وجود غير الله وإثباته ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب كانت صائمة عن المشارب كلها فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية فالآن كتب عليهم الصيام وهم مركبون كما كتب على الذين من قبلكم من المفردات ﴿لعلكم تتقون﴾ من مشارب المركبات وتصومون فيها مع حصول استعداد الشراب ليفطروا عن مشارب يشرب بها عباد الله إذا سقاهم ربهم شرابا طهورا فيطهركم طهورية هذا الشراب من دنس استدعاء الحظوظ الحيوانية والروحانية كما قال ولكن يريد ليطهركم فلما أفل كوكب استدعاء الحظوظ طلعت شمس استدعاء اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله : "للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله : ﴿أياما معدودات﴾ والإشارة فيها هو أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية وثمرات صومكم في أيام غير معدودة ولا متناهية فلا يهولنكم سماع ذكره كذا في "التأويلات النجمية".
جزء : 1 رقم الصفحة : 289
﴿شهر رمضان﴾ مبتدأ خبره ما بعده فيكون المقصود من ذكر هذه الجملة المنبهة على فضله ومنزلته الإشارة إلى وجه تخصيصه من بين الشهور بأن فرض صومه ثم أوجب صومه بقوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر﴾ (البقرة : 185)المعهود ﴿فليصمه﴾ (البقرة : 185) وسمي الشهر شهرا لشهرته ، ورمضان مصدر رمض إذا احترق فأضيف إليه الشهر وجعل المجموع علما ومنع من الصرف للتعريف والألف والنون.
وإنما سمي بذلك إما لارتماض الأكباد واحتراقها من الجوع والعطش وإما لارتماض الذنوب بالصيام فيه أو لوقوعه أيام رمض الحر أي : شدة وقوعه على الرمل وغيره.
قيل : إنهم نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة فسموها بالأزمنة التي وقعت هي فيها وقت التسمية فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي به كما يسمى بربيع لموافقته الربيع وجمادى لموافقته جمود الماء.
أو رمضان اسم من أسماء الله تعالى والشهر مضاف إليه ولذلك روي "لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى" ﴿شهر رمضان الذى أنزل﴾ جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به جبريل نجوما في ثلاث وعشرين سنة حسبما تقتضيه المشيئة الربانية وعن النبي عليه السلام : "نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين" والقرآن من القرء وهو الجمع لأنه مجمع علم الأولين والآخرين ﴿هدى للناس﴾ أي : أنزل حال كونه هداية للناس إلى سواء الصراط بما فيه من الإعجاز وغيره ﴿وبينات من الهدى والفرقان﴾ أي : وحال كونه آيات واضحات مما يهدي إلى الحق ويرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والأحكام فالهدى على قسمين :
292
جزء : 1 رقم الصفحة : 292