﴿أياما معدودات﴾ أي : موقتات ومقدرات بعدد معلوم أو قلائل فإن القليل من المال يعد عدا والكثير يهال هيلا أي : يصب صبا على غير كيل وعد فالله تعالى لم يفرض علينا صيام الدهر ولا صيام أكثره تخفيفا ورحمة وتسهيلا لأمر التكليف على جميع الأمم وانتصاب أياما بمضمر دل هو أي : الصيام عليه أعنى صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعا ﴿فمن كان منكم مريضا﴾ أي : مرضا يضره الصوم أو يضر معه ﴿أو على سفر﴾ أو راكب سفر وفيه إيماء بأن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر لعدم استعلائه السفر استعلاء الراكب المركوب بل هو ملابس شيئا من السفر والرخصة إنما أثبتت لمن كان على سفر وكلمة على فيها استعارة تبعية شبه تلبسه بالسفر باستعلاء الراكب واستيلائه على المركوب يتصرف فيه كيف يشاء وللدلالة على هذا المعنى عدل عن اسم الفاعل فلم يقل أو مسافرا إذ ليس فيه إشارة بالاستيلاء على السفر ﴿فعدة﴾ أي : فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر فعدة من العد بمعنى المعدود ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس عدة ﴿من أيام أخر﴾ غير أيام مرضه وسفره إن أفطر متتابعا أو غير متتابع والمقصود من الآية بيان أن فرض الصوم في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المعتبرين وأما من كان مريضا أو مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بالذين يطيقونه الأصحاء المقيمون خيرهم في ابتداء الإسلام بين أمرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا لئلا يشق عليهم لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فالمعنى أي : وعلى المطيقين للصيام القادرين عليه إن أفطروا ﴿فدية﴾ أي : إعطاء فدية وهي ﴿طعام مسكين﴾ وهي نصف صاع من بر أو صاع من غيره والفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء.
وفي "تفسير الشيخ" : يطيق من أطاق فلان إذا زالت طاقته والهمزة للسلب أي : لا يقدرون على الصوم وهم الذين قدروا عليه في حال الشباب ثم عجزوا عنه في حال الكبر ﴿فمن تطوع خيرا﴾ أي : من تبرع بخير فزاد في الفدية أو تطوع تطوعا خيرا ﴿فهو﴾ أي : التطوع ﴿خير له﴾ وذكر في الخير المتطوع ثلاثة أوجه :
جزء : 1 رقم الصفحة : 289
أحدها : أن يزيد على مسكين واحد فيطعم مكان كل يوم مسكينين أو أكثر.
وثانيها : أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب.
وثالثها : أن يصوم مع الفدية فهو خير كله ﴿وأن تصوموا﴾ في تأويل المصدر مرفوع بالابتداء أي : صومكم أيها المرضى والمسافرون
290
والذين يطيقونه ﴿خير لكم﴾ من الفدية ﴿إن كنتم تعلمون﴾ ما في الصوم من الفضيلة وبراءة الذمة والجواب محذوف ثقة بظهوره أي : اخترتموه ، وفي "الأشباه" : الصوم في السفر أفضل إلا إذا خاف على نفسه أو كان له رفقة اشتركوا في الزاد واختاروا الفطر انتهى وإنما فضل الصوم للمسافر لأن الصوم عزيمة له والتأخير رخصة والأخذ بالعزيمة أفضل وأما ما روي أن النبي عليه السلام قال : "ليس من البر الصيام في السفر" فمحمول على ما إذا كان الصوم يضعفه حتى يخاف عليه الهلاك كذا في "شرح المجمع" لابن الملك ، والسفر المبيح للفطر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها عند أبي حنيفة رحمه الله.
واعلم أن الله تعالى أمرنا بصيام شهر كامل ليوافق عدد السنة في الأجر الموعود بقوله : ﴿من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ (الأنعام : 160) فالشهر الكامل ثلاثمائة وستة أيام شوال ستون يوما فإن نقص يوم من عدد الشهر لم ينقص من الثواب روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام ثمانية رمضانات : خمسة منها كانت تسعة وعشرين يوما والباقي ثلاثين يوما وافترض الصيام بعد خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعث الله نبيه عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدق زاد الصلاة فلما صدق زاد الزكاة فلما صدق زاد الصيام فلما صدق زاد الحج ثم الجهاد ثم أكمل لهم الدين وأول ما فرض الصوم على الأغنياء لأجل الفقراء في زمن الملك طهمورث ثالث ملوك بني آدم وقع القحط في زمانه فأمر الأغنياء بطعام واحد بعد غروب الشمس وبإمساكهم بالنهار شفقة على الفقراء وإيثارا عليهم بطعام النهار وتعبدا وتواضعاتعالى.
والصوم سبب للولوج في ملكوت السموات وواسطة الخروج عن رحم مضايق الجسمانيات المعبر عنه بالنشأة الثانية كما أشير إليه بقوله عيسى عليه السلام : (لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين) بل مجاهدة الصوم رابطة مشاهدة اللقاء وإليه يشير الحديث القدسي "الصوم لي وأنا أجزي" يعني : أنا جزاؤه لا حوري ولا قصوري ولهذا علق سبحانه نيل سعادة الرؤية بالجوع حيث قال في مخاطبة عيسى عليه السلام (تجوع تراني).
قال السعدي :