يا اأيها الذين ءامنوا} قال أصحاب اللسان يا حرف نداء وهو نداء من الحبيب للحبيب وأيها تنبيه من الحبيب للحبيب وآمنوا شهادة من الحبيب للحبيب.
وقال الحسن : إذا سمعت الله يقول : يا أيها الذين آمنوا فارفع لها سمعك فإنه لأمر تؤمر به أو لنهي تنهى عنه.
وقال جعفر الصادق لذة في النداء أزال بها تعب العبادة والعناء يشير إلى أن المحب يبادر إلى امتثال أمر محبوبه حتى لو أمره بإلقاء نفسه في النار ﴿كتب عليكم الصيام﴾ أي : فرض عليكم صيام شهر رمضان فإنه تعالى قال بعده ﴿أياما معدودات﴾ (البقرة : 184) وقال تعالى : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (البقرة : 185) بعد قوله : ﴿شهر رمضان﴾ (البقرة : 185) والصيام في الشريعة هو الإمساك نهارا مع النية من أهله عن المفطرات المعهودة التي هي معظم ما تشتهيه الأنفس وهذا صوم عوام المؤمنين وأما صوم الخواص فالإمساك عن المنهيات وأما صوم أخص الخواص فالامساك عما سوى الله تعالى ﴿كما كتب﴾ محل كما النصب على أنه صفة مصدر محذوف أي : كتب كتابا كائنا مثل ما كتب وما مصدرية أو على أنه حال من الصيام وما موصولة أي : كتب عليكم الصيام مشبها بالذي كتب ﴿على الذين من قبلكم﴾ من الأنبياء عليهم السلام والأمم من لدن آدم عليه السلام وفيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطييب لأنفس المخاطبين فإن الصوم عبادة شاقة والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله ويرغب كل أحد في إتيانه والظاهر أن التشبيه عائد إلى أصل إيجاب الصوم لا إلى كمية الصوم المكتوب وبيان وقته فكان الصوم على آدم أيام البيض وصوم عاشوراء كان على قوم موسى والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجهه كما يقال في الدعاء اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وكما قال عليه السلام : "إنكم سترون ربكم كالقمر ليلة البدر" فإن هذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي ﴿لعلكم تتقون﴾ المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما قال عليه السلام : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء" قوله : الشباب جمع شاب وهو عند أصحابنا من بلغ ولم يجاوز ثلاثين كذا قاله النووي والباءة :
289
النكاح والتزوج وهو المباءة في المنزل لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا والوجاء نوع من الإخصاء وهو أن يرض عروق الأنثيين ويترك الخصيتين كما هما والمعنى على التشبيه أي : الصوم يقطع شهوة الجماع ويدفع شر المني كالخصاء والأمر في الحديث للوجوب لأنه محمول على حالة التوقان بإشارة قوله : يا معشر الشباب فإنهم ذوو التوقان على الجبلة السليمة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 289
قال العلماء : تسكين الشهوة يحصل بالصيام بالنهار والقيام بالليل وحذف الشهوات والتغافل عنها وترك محادثة النفس بذكرها ، فإن قلت : إن الرجل يصوم ويقوم ولا يأكل ويجد من نفسه حركة واضطرابا ، قلت : ذلك من فرط فضل شهوة مقيمة فيه من الأول فليقطع ذلك على نفسه بالهموم والأحزان الدائمة وذكر الموت وتقريب الأجل وقصر الأمل والمداومة على المراقبة والمحافظة على الطاعة.