﴿فمن﴾ شرطية أو موصولة ﴿خاف﴾ أي : توقع وعلم فإنه إذا علم خاف فهو من إطلاق اسم اللازم على الملزوم ﴿من موص﴾ أي : من الذي أوصى وهو يجوز أن يتعلق بخاف على أنها لابتداء الغاية أو بمحذوف على أنها حال من جنفا قدمت عليه لأنها في الأصل صفة له فلما تقدمت نصبت حالا ﴿جنفا﴾ أي : ميلا عن الحق بالخطأ في الوصية ﴿أو إثما﴾ أي : تعمدا للجنف يعني إذا جهل الموصي موضع الوصية أو زاد على مقدار الوصية أو أوصى بما لا يجوز إيصاؤه ﴿فأصلح﴾ الظاهر أن المراد بالمصلح هو الوصي لأنه أشد تعلقا بأمر الوصية إلا أنه لا وجه لتخصيصه بالوصي بل ينبغي أن يدخل تحته كل من يتأتى منه رفع الفساد في وصية الميت من الوالي والولي والوصي ومن يأمر بالمعروف والمفتي والقاضي والوارث ﴿بينهم﴾ أي : بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون فغير وصيته
287
بإجرائها على طريق الشرع ﴿فلا إثم عليه﴾ أي : لا وزر على المغير في هذا التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق بخلاف الأول ﴿إن الله غفور رحيم﴾ وعد للمصلح بالإثابة وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم لأن بعض التبديل وهو التبديل إلى الباطل إثم وهذا من المشاكلة الصورية لا المعنوية لأن التبديل إلى خير ليس من جنس الإثم لكن صورته صورة ما يؤثم.
جزء : 1 رقم الصفحة : 286
واعلم أن الوصية مستحبة لحاجة الناس إليها فإن الإنسان مغرور بأمله أي : يرجو الحياة مدة طويلة مقصر في عمله فإذا عرض له المرض وخاف الهلاك يحتاج إلى تدارك تقصيره بماله على وجه لو مات فيه يتحقق مقصده المآلي ولو أنهضه البرء يصرفه إلى مطلبه الحالي.
وفي الحديث "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة لكم في أعمالكم تضعونها حيث شئتم" ويوصي بفدية صلاته وصيامه لكل مكتوبة نصف صاع من الحنطة وكذا الوتر ولكل يوم من صوم رمضان أيضا نصف صاع من الحنطة وفي صوم النذر كذلك.
قال في "تفسير الشيخ" : ومن كان عليه حج أو كفارة أي : شيء من الواجبات فالوصية واجبة وإلا فهو بالخيار وعليه الفتوى ويوصي بإرضاء خصمائه وديونه.
حكي أن الإمام الشافعي رحمه الله لما مرض مرض موته قال : مروا فلانا يغسلني فلما مات بلغ خبر موته إليه فحضر وقال : ائتوني بتذكرته فأتى بها فنظر فيها فإذا على الشافعي سبعون ألف درهم دينا فكتبها على نفسه وقضاها وقال : هذا غسلي إياه وإياه أراد.
وفي الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من لم يوصص لم يؤذن له في الكلام مع الموتى" قيل : يا رسول الله وهل تتكلم الموتى؟ قال : "نعم ويتزاورون".
قال الإمام نقلا عن بعض الأئمة الأعلام : والأرواح قسمان منعمة ومعذبة ، فأما المعذبة : فهي محبوسة مشغولة عن التزاور والتلاقي ، وأما المنعمة : المرسلة غير المحبوسة فتتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا فيكون كل روح مع رفيقه الذي هو على مثله عمله وهذه المعية ثابتة في دار البرزخ وفي دار الجزاء والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاث في كل موطن وموقف ، فعلى العاقل أن يختار صحبة الأخيار ويتأهب آناء الليل وأطراف النهار ولا يغتر بالمال والمنال ولا ينقطع عن الله بطول الآمال فإن الدنيا فانية وكل من عليها فانن فاتقوا الله كل حين وآن ، قال الصائب :
درسر اين غافلان طول أمل داني كه يست
آشيان كردست مارى در كبوترخانة
جزء : 1 رقم الصفحة : 286
والإشارة في الآية أنه ﴿كتب عليكم﴾ على الأغنياء الوصية بالمال وكتب على الأولياء الوصية بالحال فالأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث والأولياء يخرجون في مبادىء أحوالهم عن الكل ﴿إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾ أي : يحضر قلب أحدهم مع الله ويموت بنفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية كما قال صلى الله عليه وسلم "موتوا قبل أن تموتوا" ويترك كل خير وشر كان مشربها من الدنيا والعقبى فعليه أن يوصي ﴿للوالدين﴾ وهما الروح العلوى والبدن السفلى فإن النفس توالدت وحصلت بازدواجهما ﴿والاقربين﴾ وهم القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية ﴿بالمعروف﴾ أي : بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترزا في الأحوال من الركون إلى
288