تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثاني ذنب فيما بينه وبين أعمال الله : وهو أن يترك الصلاة والصوم والزكاة والحج فإن التوبة لا تكفيه ما لم يقض الصلاة وغيرها لأن شرط التوبة أن يؤدي ما ترك فإذا لم يؤد فكأنه لم يتب.

والثالث فيما بينه وبين عباد الله وهو أن يغصب أموالهم أو يضربهم أو يشتمهم أو يقتلهم فإن التوبة لا تكفيه إلا أن يرضى عنه خصمه أو يجتهد في الأعمال الصالحة حتى يوفق الله بينهما يوم القيامة فإنه إذ تاب العبد وكان عليه حقوق العباد فعليه أن يردها إلى أربابها وإن عجز عن إيصالها وأراد الله مغفرته يقول لخصمه يوم القيامة : ارفع رأسك فيرفع فيرى قصورا عالية فيقول : يا رب لمن هذه؟ فيقول الله تعالى : أنت قادر عليها فإن ثمنها عفوك عن أخيك فيقول : قد عفوت فيقول الله تعالى خذ يد أخيك واذهبا إلى الجنة.

والإشارة في الآية أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم كما كتب على نفسه الرحمة في قتلاه كما قال : "من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته" ، وفي "المثنوي" :

كريكي سررا ببرد ازبدن

صد هزاران سربر آرد در زمناقتلوني يا ثقاتي لائما

إن في قتلي حياتي دائماإن في موتي حياتي يا فتى

كم أفارق موطني حتى متى

شير دنيا جويد أشكاري وبرك

شير مولى جويد آزادىء ومرك

ونكه اندر مرك بيند صد وجود

همو روانه بسوزاند وجود فعلى العاقل أن يقتل نفسه بالرياضات الشديدة ويحيي قلبه بالحياة الطيبة الباقية اللهم وفقنا لمداواة هذه القلوب المرضى آمين.

جزء : 1 رقم الصفحة : 283

﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ أي : حضر أسبابه وظهر أمارته وآثاره من العلل والأمراض ؛ إذ لا اقتدار على الوصية عند حضور نفس الموت والعامل في إذا مدلول كتب لأن الكتب بمعنى الإيجاب لا يحدث وقت حضور الموت بل الحادث تعلقه بالمكلف وقت حضور موته فكأنه قيل توجه عليكم إيجاب الله تعالى ومقتضى كتابه إذا حضر فعبر عن توجه الإيجاب وتعلقه بكتب للدلالة على أن هذا المعنى مكتوب في الأزل.

286

﴿إن ترك خيرا﴾ أي : مالا قليلا أو كثيرا يقال : فلان ذو مال ولا يطلق ذلك لمن له مال قليل.

وعن عائشة رضي الله عنها "أن رجلا أراد أن يوصي قالت : كم مالك؟ قال : ثلاثة آلاف قالت : كم عيالك؟ قال : أربعة قالت : إنما قال الله إن ترك خيرا أو إن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك" وأصل الخير أن يكون لكل ما يرغب فيه مما هو نافع لأنه ضد الشر.

قال في "إخوان الصفا" الخير فعل ما ينبغي في الوقت الذي بنيغي من أجل ما ينبغي ﴿الوصية﴾ نائب فاعل كتب أي : فرض الإيصاء ﴿للوالدين والاقربين﴾ ممن يرث ومن لا يرث ﴿بالمعروف﴾ نصب حالا أي : بالعدل لا يزيد على الثلث ولا يوصي لغني ويدع الفقير وكان السبب في نزول هذه الآية أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعدى رياء وسمعة طلبا للفخر والشرف ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة فصرف الله تعالى بهذه الآية في بدء الإسلام ما كان يصرف إلى الأبعدين إلى الوالدين والأقربين فعمل بها ما كان العمل بها صلاحا وحكمة ثم نسختها آية المواريث في سورة النساء فالآن لا يجب على أحد أن يوصي لأحد قريب ولا بعيد وإذا أوصى فله أن يوصي لكل من الأقارب والأباعد إلا للوارث ﴿حقا﴾

جزء : 1 رقم الصفحة : 286

أي : أحق هذه الوصية حقا ﴿على المتقين﴾ المجتنبين عن ضياع المال وحرمان القريب يعني إن كنتم متقين بالله لا تتركوا العمل بهذا.

قال ابن الشيخ في "حواشيه" : فإن قيل قوله : على المتقين يقتضي أن يكون هذا التكليف مختصا بالمتقين وقد دل الإجماع على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين وغيرهم أجيب بأن المراد بقوله حقا على المتقين أنه لازم لكل من آثر التقوى وتحراها وجعلها طريقا له ومذهبا فيدخل فيه الكل.

﴿فمنا بدله﴾ الضمير راجع إلى الوصية لكونها في تأويل الإيصاء أي : غير الإيصاء عن وجهه الشرعي والمشهور أن من غير إيصاء المحتضر هو الوصي أو الشاهد فالوصي يغير الوصية إما في الكتابة أو في قسمة الحقوق والشاهد يغيرها إما بتغيير وجه الشهادة أو بكتمها ويمكن أن يكون التبديل من سائر الناس بأن منعوا من وصول المال الموصى به إلى مستحقه فهؤلاء كلهم داخلون تحت قوله فمن بدله ﴿بعدما سمعه﴾ أي : بعد ما وصل إليه وتحقق لديه ﴿فإنمآ إثمه﴾ أي : ما إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل إلا ﴿على الذين يبدلونه﴾ لأنهم خانوا وخالفوا الشرع لا على الموصي وهو الميت فإنه بريء من الإثم ﴿إن الله سميع﴾ بالإيصاء وتغييره ﴿عليم﴾ بثوابه وجزاء من غيره وهو يجازي كل واحد منهما بما يستحقه.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٣٣