تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذنب بعن فإذا تعدى إلى الذنب بعن كما في قوله تعالى ﴿عفا الله عنك﴾ (التوبة : 43) عدي إلى الجاني باللام يقال : عفوت لفلان إذ جني وعليه ما في الآية وعفو الجاني عبارة عن إسقاط موجب الجناية عنه وموجبها ههنا القصاص فكأنه قيل القاتل الذي عفى له عن جناية من جهة أخيه الذي هو ولي المقتول سواء كان العفو الواقع تاما بأن اصطلح القاتل مع جميع أولياء القتيل على مال أو بعض العفو بأن وقع الصلح بينه وبين بعض الأولياء فإنه على التقديرين يجب المال ويسقط القصاص فإنه قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في الصلح عن القصاص على مال وسمى الله تعالى ولي الجناية أخا للقاتل استعطافا له عليه وتنبيها على أن أخوة الإسلام قائمة بينهما وأن القاتل لم يخرج من الإيمان بقتله ﴿فاتباعا بالمعروف﴾ خبر مبتدأ محذوف أي : وإذا حصل شيء من العفو وبطل الدم بعفو البعض فالأمر اتباع بالمعروف أي : على ولي المقتول أن يطالب القاتل ببدل الصلح بالمعروف بترك التشديد والتضييق في طلبه وإذا أخذ الدية لا يطلب الأكثر مما وجب عليه ﴿وأدآء إليه بإحسان﴾ حث المعفو عنه وهو القاتل على تأدية المال بالإحسان أي : وعلى القاتل أن يؤدي المال إلى العافي بإحسان في الأداء بترك المطل والبخس والأذى ﴿ذالك﴾ أي : الحكم المذكور من العفو والدية ﴿تخفيف من ربكم﴾ أي : تيسير وتوسعة لكم ﴿ورحمة﴾ منه حيث لم يجزم بالعفو وأخذ الدية بل خيركم بين الثلاث القصاص والدية والعفو وذلك لأن في شرع موسى عليه السلام القصاص وهو العدل فقط وفي دين عيسى عليه السلام العفو وهو الفضل فحسب وفي ملتنا للتشفي القصاص وللترفه الدية وللتكرم العفو ﴿فمن اعتدى﴾ أي : تجاوز ما شرع له ﴿بعد ذالك﴾ التخفيف بأن قتل غير القاتل أو قتل القاتل بعد العفو أو أخذ الدية فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبول الدية ثم يظفر فيقتله وينبذ ماله إلى أوليائه ﴿فله﴾ باعتدائه ﴿عذاب أليم﴾ نوع من العذاب شديد الألم إما بالدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير حق وإما في الآخرة فبالنار.

جزء : 1 رقم الصفحة : 283

﴿ولكم فى القصاص حيواة﴾ أي : في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لأنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة كما قتل مهلهل بن ربيعة بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع فيما بينهم التشاجر والهرج والمرج وارتفاع الأمن فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه أي : حياة لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل إذا قتل لا يقدم على القتل وإذا قتل فقتل ارتدع غيره فكان القصاص سبب حياة نفسين أو أكثر وهو كلام في غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشيء محل ضده فإن ضدية شيء لآخر تستلزم أن يكون تحقق أحدهما رافعا للآخر والقصاص لاستلزامه ارتفاع الحياة ضد لها وقد جعل ظرفا لها تشبيها له بالظرف الحقيقي من حيث أن المظروف إذا حواه الظرف لا يصيبه ما يخل به ويفسده ولا هو يتفرق ويتلاشى بنفسه كذلك القصاص يحمي الحياة من الآفات فكان من هذا الوجه بمنزلة الظرف لها ولا شك فيه إذ جعل الضد حاميا لضده اعتبار لطيف في غاية الحسن والغرابة التي هي من نكات البلاغة وطرقها يا اأولي الالباب} أي : ذي العقول الخالصة من شوب الأوهام ناداهم للتأمل في

285

حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ﴿لعلكم تتقون﴾ تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان أو تتقون عن القتل مخافة القود ، وفيه تحذير عن القتل فإن من أعظم حقوق العباد الدماء وهي أول ما يحاسب به العبد بالنسبة إلى حقوق العباد كما أن الصلاة أول ما يحاسب به بالنسبة إلى حقوق الله تعالى وفي الحديث "يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه ملببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتولسبحانه : هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل : تعست ويذهب به إلى النار".

واعلم أن الذنوب على ثلاثة أوجه :

الأول فيما بين العبد وبين الله تعالى : كالزنى واللواطة والغيبة والبهتان ما لم يبلغ إلى من بهته واغتابه فإذا بلغه وجعله في حل وتاب المذنب فنرجو أن الله يغفر له وكذلك إذا زنى بامرأة ولها زوج فلم يجعله ذلك الرجل في حل لا يغفر له ؛ لأن خصمه الآدمي فإذا تاب وجعله في حل فإنه يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى بأن قال : كل حق لي عليك فقد جعلتك في حل منه ومن كل خصومة بيني وبينك وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الأمة لأن الأمم السالفة ما لم يذكر الذنب لا يغفر لهم.

جزء : 1 رقم الصفحة : 283

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٣٢