تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القاتلون عمدا كتب عليكم تسليم أنفسكم عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع عن القصاص لكونه حق العبد بخلاف الزاني والشارب فإن لهما الهرب من الحدود لكون ما عليهما من الحق حق الله تعالى.

والقصاص أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل فهو عبارة عن التسوية والمماثلة في الأنفس والأطراف والجراحات.

والقتلى جمع قتيل وفي للسبب أي : بسبب قتل القتلى كما في قوله عليه السلام : "إن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها" أي : بسبب ربطها إياها وحسن الوقف في قوله القتلى.

﴿الحر بالحر﴾ مبتدأ وخبر أي : الحر مأخوذ ومقتول بمثله ﴿والعبد بالعبد والانثى بالانثى﴾ سبب النزول أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية وكان لأحدهما طول على الآخر أي : قوة وفضل فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزلت وأمرهم الله أن يتباروا أي : يتساووا ويتعادلوا.

وقوله : الحر بالحر لا يفيد الحصر البتة بأن لا يجرى القصاص إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين بل يفيد شرع القصاص في القتلى المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام فإن قوله تعالى : ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ جملة مستقبلة بنفسها.

وقوله : الحر بالحر تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وتخصيص بعض جزئيات الجملة المستقلة بالذكر لا يمنع ثبوت الحكم لسائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفائدة سوى نفي الحكم عن سائر الصور وهي إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل بالعبد المقتول والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة وليس فيه نفي جريان القصاص بين الحر والعبد والذكر والأنثى بل فيه منع عن التعدي إلى غير القاتل انتهى كلامه.

والثوري وأبو حنيفة يقتلان الحر بالعبد والمؤمن بالكافر ويستدلان بعموم قوله تعالى : ﴿وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس﴾ (المائدة : 45) فإن شريعة من قبلنا إذا قصت علينا في القرآن من غير دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على أنها شريعة لنا.

وبما روي "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وبأن التفاضل في النفس غير معتبر بدليل قتل الجماعة بالواحد وبأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سيان فيهما.

ومالك والشافعي لا يقتلان الحر بالعبد ولا المؤمن بالكافر كما قال الشافعي رحمه الله :

جزء : 1 رقم الصفحة : 283

خذوا بدمي هذا الغزال فإنه

رماني بسهمي مقلتيه على عمد

ولا تقتلوه إنني أنا عبده

وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد

﴿فمن﴾ عبارة عن القاتل شرطية كانت أو موصولة ﴿عفى له من أخيه﴾ الضميران راجعان إلى من ﴿شىء﴾ أي : شيء من العفو قليل فارتفاع شيء على أنه قائم مقام فاعل عفى بناء على أنه في حكم المصدر أي : في حكم قولك عفى عفو فإن عفا وإن كان لازما لا يتعدى إلى المفعول به إلا أنه يتعدى إلى المفعول المطلق فيصلح أن يقام مصدره مقام الفاعل كما في قوله تعالى ﴿فإذا نفخ فى الصور نفخة﴾ (الحاقة : 13) وقولهم سير بزيد بعض السير وشيء من السير وفائدة قوله شيء الإشعار بأنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب إلا الدية وعفا يتعدى إلى الجاني وإلى

284

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٣١